أسرار الممالك الثلاث
مرحباً , نتمنى أن تكون على ما يرام : تفضل بتسجيل الدخول إذا كنت أحد أعضاءنا , او تفضل بالتسجيل إذا أردت الانضمام إلى اسرتنا الكريمة.

تسجيلك في المنتدى سيمنحك فرصة المشاركة في المواضيع و ابراز رأيك في المنتدى, و ستفتح لك مميزات جديدة و اقسام جديدة لدخولها.


منتدى تاريخي , يهتم بتاريخ الممالك الثلاثة واليابان والتاريخ الاسلامي , ويشتمل المنتدى كذلك على اقسام أخرى متنوعة.
 
مكتبة الصورالتسجيلدخولبحـثس .و .جالرئيسية
يتم تفعيل العضوية الغير مفعلة من قبل نفس العضو عبر بريده الالكتروني بشكل دوري من قبل الإدارة لذى اذا لم يتمكن العضو من تفعيل عضويته عبر البريد الالكتروني سوف تتكفل الإدارة بذلك من خلال لوحة التحكم ..
بحـث
 
 

نتائج البحث
 

 


Rechercher بحث متقدم
اقتباسات عشوائية

شاطر | 
 

 مُصْعَبُ بن عُمَيْر

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
The Stranger
Marquis
Marquis


ذكر عدد الرسائل : 3357
العمر : 22
الدولة : في عآلم الغربه...
أفضل مملكة : Shu
تاريخ التسجيل : 14/11/2009

مُساهمةموضوع: مُصْعَبُ بن عُمَيْر   الأحد 30 أكتوبر 2011, 11:55 pm

~ بسم الله الرحمن الرحيم ~

- مقدمة -


قَالَ تَعَالَى: {أُولَئِكَ الّذينَ هَدَاهُمُ الله وَأُولَئِكَ هُمْ أُولُو الأَلبَاب} صَدَقَ اللهُ العَظِيم

ما كان حديثًا يُفتَرى , ولا فُتوناً يتردّد , ذلك الحديث الذي رَوى به التاريخ أنباء أعظم ثُلّةٍ ظهرت في دنيا العقيدة والإيمان..!!

ذلك أن التاريخ الإنساني بطُولِه وبعرضه , لم يشهد من التوثيق والصدق وتحرّي الحقيقة ما شهدته تلك الحقبة من تاريخ الإسلام ورجاله السابقين , حيث توفر على دراستها وتتَبٌّع أنبائها جُهدٌ بَشري خارق , نهضت به أجيال مُتساوقة من علماءَ أفذاذٍ لم يدّعوا من ذلك العصر الأول للإسلام همسة, ولا خلجة إلا وضعوها تحت مَجاهر الفحص وأضواء الدراسة والنقد.


~ مُصْعَبُ بِنْ عُمَيْر ~ * ~ أَوّلُ سُفَرَاءِ الإسْلَام ~

هذا رجل من أصحاب محمد , غُرّةُ فتيان قريش , وأوفاهم بهاء , وجمالًا , وشباباً...
يصف المؤرخون والرواة شبابه , فيقولون: " كان أعطَر أهل مكة "
وُلدَ في النعمة , وغذّيَ بها , وشب تحت خمائلها ..
ولعله لم يكن بين فتيان مكة من ظفر من تدليل أبويه بمثل ما ظفر به " مُصْعَبُ ابن عُمَيْر "..

ذلك الفتى الرّيان , المدلل المنعَّم , حديث حِسان مكة , ولؤلؤة ندواتها ومجالسها , أيمكن أن يتحول إلى أُسطورة من أساطير الإيمان والفداء...؟؟

بالله ما أروعه من نبأ .. نبأ " مصعب بن عمير " , أو " مصعب الخير " كما كان لقبه بين المسلمين .. !!

إنه واحد من أولئك الذي صاغهم الإسلام وربّاهم " مُحَمّد " عليه الصلاة والسلام...

ولكن أيّ واحد كان...؟
إن قصة حياته لَشرفٌ لبني الإنسان جميعاً...
لقد سمع الفتى ذات يوم , ما بدأ أهل مكة يسمعونه عن محمد الأمين...
" محمد " الذي يقول إن الله أرسله بشراً ونذيراً , وداعياً إلى عبادة الله الواحد الأحد.

وحين كانت مكة تمسي وتُصْبح ولا همَّ لها , ولا حديث يَشغلها إلا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ودينه , كان فتى قريش المدَلَّل أكثر الناس استماعاً لهذا الحديث.

ذلك أنه كان على الرغم من حداثة سنه , زينة المجالس والندوات , تحرص كل ندوة على أن يكون " مصعب " بين شهودها , ذلك أن أناقة المظهر ورجاحة العقل كانتا من خصال " ابن عمير " التي تفتح له القلوب والأبواب ..

ولقد سمع فيما سمع أن الرسول ومن آمن معه , يجتمعون بعيداً عن فضول قريش وأذاها ... هناك على الصَّفا في دار " الأرقم بن أبي الأرقم " فلم يطل به التردد , ولا التلبث والإنتظار , بل صحب نفسه ذات مساء إلى " دار الأرقم " تسبقه أشواقه ورُؤاه ...

هناك كان الرسول يلتقي باصحابه فيتلو عليهم من القرآن , ويصلي معهم لله العلي الكبير.

ولك يكد " مصعب " يأخذ مكانه , وتنساب الآيات من قلب الرسول متألقة على شفتيه , ثم آخذةً طريقاً إلى الأسماع والأفئدة ؛ حت كان فؤاد " ابن عمير " في تلك الأمسية الفؤاد الموعود .. !!

ولقد كانت الغبطة تخلعه من مكانه , وكأنه من الفرحة الغامرة يطير.

ولكن الرسول بسط يمينه المباركة الحانية حتى لامست الصدر المتوهج , والفؤاد المتوثب , فكانت السكينة العميقة عمق المحيط ... وفي لمح البصر كان الفتى الذي آمن وأسلم يبدو ومعه من الحكمة ما يفوق ضعف سنه وعمره , ومعه من التصميم ما يُغَيّر سير الزمان...!!!

* * *


كانت أم مصعب " خناس بنت مالك " تتمتع بقوة فذّة في شخصيتها , وكانت تهاب إلى حد الرهبة ..

ولم يكن " مصعب " حين أسلم لِيحاذر أو يخاف قوة على وجه الأرض سوى أمه.

فلو أن مكة بكل أصنامها وأشرافها وصحرائها , استحالت هولاً يٌقارعه ويُصارعه , لاستخفَّ به " مصعب " إلى حين..

أما خصومة أمه , فهذا هو الهول الذي لا يطاق..!

ولقد فكر سريعاً , وقرر أن يكتم إسلامه حتى يقضي الله أمراً .

وظل يتردد على دار الأرقم , ويجلس إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - , وهو قرير العين بإيمانه , وبتفاديه غضب أمه التي لا تعلم عن إسلامه خبراً ..

ولكن مكة , وفي تلك الأيام بالذات , لا تخفى فيها سر , فعيون قريش وآذانها على كل طريق , ووراء كل بَصمة قَدم فوق رمالها الناعمة الواشية ...

ولقد أبصر به " عثمان بن طلحة " وهو يدخل خفية إلى دار الأرقم ... ثم رآه مرة أخرى وهو يصلي كصلاة محمد , فسابق ريح الصحراء وزوابعها , شاخصاً إلى أم مصعب , حيث ألقى عليها النبأ الذي طار بصوابها...

ووقف " مصعب " أمام أمه , وعشيرته , وأشراف مكة المجتمعين حوله يتلو عليهم في يقين الحق وثباته , القرآن الذي يغسل به الرسول قلوبهم , ويملؤها به حكمة وشرفاً , وعدلا وتُقى .

وهمت أمه أن تسكته بلطمة قاسية , ولكن اليد التي امتدت كالسَّهم , ما لبثت أن استرخت وترخت أما النور الذي زاد وسامه وجهه وبهاءه جلالا يفرض الاحترام , وهدوءاً يفرض الإقناع...

ولكن , إذا كانت أمه تحت ضغط أمومتها ستعفيه من الضرب والأذى , فإن في مقدرتها أن تثأر للآلهة التي هجرها بأسلوب آخر...

وهكذا مضت به إلى ركن قصي من أركان دارها , وحبسته فيه , وأحكمت عليه إغلاقه , وظل رهين محبسه ذاك , حتى خرج بعض المؤمنين المهاجرين إلى أرض الحبشة , فاحتال لنفسه حين سمع النبأ , وغافل أمه وحراسه , ومضى إلى الحبشة مهاجراً أواباً ..

ولسوف يمكث بالحبشة مع إخوانه المهاجرين , قم يعود معهم إلى مكة , ثم يهاجر إلى الحبشة للمرة الثانية مع الأصحاب الذين يأمرهم الرسول بالهجرة فيطيعون.

ولكن , سواء كان " مصعب " بالحبشة أم في مكة , فإن تجربة إيمانه تمارس تفوقها في كل مكان وفي كل زمان , ولقد فرغ من إعادة صياغة حياته على النسق الجديد الذي أعطاهم محمد نموذجه المختار , واطمأن " مصعب " إلى أن حياته قد صارت جديرة بأن تقدم قرباناً لباريها الأعلى , وخالقها العظيم ..

خرج يوماً على بعض المسلمين وهم جلوس حول رسول الله , فما أن أبصروا به حتى حنوا رؤوسهم وغضوا أبصارهم وذرفت بعض عيونهم دمعاً شجياً..

ذلك أنهم رأوه .. يرتدي جلباباً مرقعاً بالياً , وعاودتهم صورته الأولى قبل إسلامه , حين كانت ثيابه كزهور الحديقة نضرة , وألقاً , وعطراً..

وتملَّى رسول الله مظهره بنظرات حكيمة , شاكرة , مُحبة , وتألقت على شفتيه ابتسامته الجليلة , وقال:
[ لقد رأيت مصعب هذا , وما بمكة فتى أنْعمُ عند أبويه منه , لقد ترك ذلك كله حُبَّاً لله ورسوله ] .. !!

لقد منعته أمه حين يئست من رِدَّته كل ما كانت تفيض عليه من النعمة ..

وأبت أن يأكل طعامها إنسان هجر الآلهة وحاقت به لعنتها , حتى لو يكون هذا الإنسان ابنها .. !!

ولقد كان آخر عهدها به حين حاولت حبسه مرة أخرى بعد رجوعه من الحبشة . فآلى على نفسه لئن هي فعلت ليقتلن كل من تستعين به على حبسه ..

وإنها لتعلم صدق عزمه إذا همَّ وعزم , فودعته باكية , وودعها باكياً ..

وكشفت لحظة الوداع عن إصرار عجيب على الكفر وإصرار أكبر على الإيمان من جانب الإبن .. فحين قالت له وهي تخرجه من بيتها: اذهب لشأنك لم أعد لك أماً .. فاقترب منها وقال:
[ يا أُمًّه , إني لكِ ناصح , وعليك شفوق ؛ فا شْهدي أنه لا إله إلا الله , وأن محمداً عبده ورسوله ]..

أجابته غاضبة مهتاجة : " قسما بالثَّواقِب , لا أدخل في دينك ؛ فَيُزْرى برأيي , ويضعف عقلي "... !!

وخرج مصعب من النعمة الوارفة التي كان يعيش فيها مؤثراً الشظف والفاقة .. وأصبح الفتى المتأنق المعطًّر , لا يُرى إلا مرتدياً أخسن الثياب , يأكل يوماً , ويجوع أياماً , ولكن روحه المتأنقة بسمو العقيدة , والمتأنقة بنور الله , كانت قد جعلت منه انساناً آخر يملأ الأعين جلالاً , والأنفس روعة ..

* * *


وآنئذ , اختاره الرسول لأعظم مهمة في حينها : أن يكون سفيره إلى المدينة , يُفقّه الأنصار الذين آمنوا وبايعوا الرسول عند العقبة , ويُدخل غيرهم في دين الله , ويُعدُّ المدينة ليوم الهجرة العظيم ..

كان في أصحاب الرسول يومئذ من هم أكبر منه سناً وأكثر جاهاً , وأقرب من الرسول قرابة .. ولكن الرسول اختار مصعب الخير , وهو يعلم أنه يكل إليه بأخطر قضايا الساعة , ويلقي بين يديه بمصير الإسلام في المدينة التي ستكون دار الهجرة , ومنطلق الدعوة والدعاة , والمبشرين والغزاة , بعد حين من الزمان قريب ..

وحمل " مصعب " الأمانة مستعيناً بما أنعم الله عليه من عقل راجح وخلق كريم .. ولقد غزا أفئدة أهل المدينة بزهده وترفعه وإحلاصه , فدخلوا في دين الله أفواجا..

لقد جاءها يوم بعثه الرسول إليها وليس فيها سوا اثني عشر مسلماً هم الذين بايعوا النبي من قبلُ بيعة العقبة , ولكنه لم يكد يتم بينهم بضعة أشهر حتى استجابوا لله وللرسول ..!!

وفي موسم الحج التالي لبيعة العقبة , كان مسلمو المدينة يرسلون إلى مكة للقاء الرسول وفداً يمثلهم وينوب عنهم.. وكان عدد أعضائه سبعين مؤمناً مؤمنة ..

جاؤوا تحت قيادة معلمهم ومبعوث نبيهم إليهم " مصعب بن عمير "..

لقد أثبت " مصعب " بكياسته وحسن بلائه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عرف كيف يختار..

فلقد فهم " مصعب " رسالته تماماً ووقف عند حدودها.. عرف أنه داعية إلى الله , ومبشر بدينه الذي يدعو الناس إلى الهدى , وإلى صراط مستقيم.. وأنه كرسوله الذي آمن به , ليس عليه إلا البلاغ..

هنالك نهض في ضيافة " أسعد بن زرارة " يغشيان معاً القبائل والبيوت والمجالس , تالياً على الناس ما معه من كتاب ربه , هاتفاً بينهم في رفق عظيم بكلمة الله [ إنما الله إله واحد ]...

ولقد تعرض لبعض المواقف التي كان يمكن أن تودي به وبمن معه , لولا الله ثم فطنة عقله , وعظمة روحه..

ذات يوم فاجأه وهو يعظ الناس " أُسيد بن حُضير " سيد بني الأشهل بالمدينة , فاجأه شاهراً حربته , يتوهج غضباً وحنقاً على هذا الذي جاء يفتن قومه عن دينهم .. ويدعوهم لهجر آلهتهم , ويحدثهم عن إله واحد لم يعرفوه من قبل , ولم يألفوه من قبل .. !

إن آلهتهم معهم رابضة في مجاثمها , إذا احتاجها أحدهم عرف مكانه وولى وجهه ساعياً إليها , فتكشف ضره وتلبي دعاءه ... هكذا يتصورون ويتوهمون ..

أما إله محمد الذي يدعوهم إليه باسمه هذا السفير الوافد إليهم , فما أحد يعرف مكانه , ولا أحد يستطيع أن يراه .. !!

وما إن رأى المسلمون الذين كانوا يجالسون " مُصعباً " مَقْدِمَ " أُسيد بن حضير " متوشحاً غضبه المتلظي , وثورته المتحفزة , حتى وَجِلوا .. لكن " مصعب الخير " ظل ثابتاً , وديعاً , متهللاً ..

وقف أسيد أمامه مهتاجاً , وقال يخاطبه هو وأسعد بن زرارة: " ما جاء بكما إلى حيّنا , تُسفّهان ضعفاءنا ..؟ اعتزلانا , اذا كنتما لا تريدان الخروج من الحياة "..!!

وفي مثل هدوء البحر وقوته..
وفي مثل تهلل ضوء الفجر ووداعته .. انفجرت أسارير مصعب الخير وتحرك بالحديث الطيب لسانه فقال: [ أولا تجلس معنا فتستمع ..؟! فإن رضيتَ أمرنا قَبِلْتهُ .. وإن كرهته كففنا عنك ما تكره ]..

الله وأكبر.. ما أروعها من بداية سيسعد لها الختام..!!

كان " أسيد " رجلاً أريباً عاقلاً .. وها هوذا يرى مصعباً يحتكم معه إلى ضميره .. فيدعوه إلى أن يسمع لا غير.. فإن اقتنع , تركه لاقتناعه , وإن لم يقتنع ترك " مصعب " حيهم وعشيرتهم , وتحول إلى حي آخر وعشيرة أخرى غير ضارّ ولا مُضَارّ..

هنالك أجابه " أسيد " قائلا: أنصفت.. وألقى حربته إلى الأرض وجلس يُصغي ..

ولم يكد مصعب يقرأ القرآن , ويفسر الدعوة التي جاء بها محمد بن عبد الله - صلى الله عليه وسلم - , حتى أخذت أسارير " أسيد " تبرق وتشرق .. وتتغير مع مواقع الكلام , وتكتسي بجماله ..!!

ولم يكد مصعب يفرغ من حديثه حتى هتف به " أسيد بن حضير " وبمن معه قائلاً:
" ما أحسن هذا القول وأصدقه... كيف يصنع من يريد أن يدخل في هذا الدين "..؟؟

وأجابوه بتهليلة رجّت الأرض رجّاً , ثم قال له مصعب : [ يطهر ثوبه وبدنه , ويشهد ألا إله إلا الله ]..

فغاب " أسيد " عنهم غير قليل ثم عاد يقطر الماء الطهور من شعر رأسه , ووقف يعلن أنه يشهد ألا إله إلا الله , وأن محمداً رسول الله..

وسرى الخبر كالضوء.. وجاء " سعد بن معاذ " فأصغى لمصعب واقتنع , وأسلم , ثم تلاه " سعد بن عبادة ".. وتمت بإسلامهم النعمة , وأقبل أهل المدينة بعضهم على بعض يتساءلون : إذا كان أسيد بن حضير , وسعد بن معاذ , وسعد ابن عبادة قد أسلموا , ففيم تخلّفنا...؟ هيا إلى مصعب , لنؤمن معه , فإنهم يتحدثون أن الحق يخرج من بين ثناياه...!!

* * *


لقد نجح أول سفراء الرسول - صلى الله عليه وسلم - نجاحاً منقطع النظير .. نجاخاً هو له أهل , وبه جدير..

وتمضي الأيام والأعوام , ويهاجر الرسول وصحبه إلى المدينة , وتتلمظ قريش بأحقادها .. زتعدّ عُدّة باطلها , لتواصل مطاردتها الظالمة لعباد الله الصالحين.. وتقوم غزوة بدر, فيتلقون فيها درساً يفقدهم بقية صوابهم ويسعون إلى الثأر , وتجيء غزوة أُحد.. ويعبئ المسلمون أنفسهم , ويقف الرسول -صلى الله عليه وسلم - وسط صفوفهم يتفرس الوجوه المؤمنة ليختار من بينها من يحمل الراية .. ويدعو مصعب الخير , فيتقدم ويحمل اللواء..

وتَشِبُّ المعركة الرهيبة , ويُحتدم القتال , ويُخالف الرماة أمر الرسول عليه السلام . زيغادرون مواقعهم أعلى الجبل بعد أن رأوا المشركين ينسحبون منهزمين , لكن عملهم هذا , سرعان ما يحوّل نصر المسلمين إلى هزيمة .. ويفاجأُ المسلمون بفرسان قريش تغشاهم من أعلى الجبل , وتُعمل فيهم على حين غرة , السيوف الظامئة المجنونة..

وحين رأوا الفوضى والذعر يمزقان صفوف المسلمين , ركّزوا على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لينالوه ..

وأدرك " مصعب بن عمير " الخطر الغادر , فرفع اللواء عالياً , وأطلق تكبيرة كالزئير , ومضى يصول ويجول ويتواثب.. وكل همه أن يلفت نظر الأعداء إليه ويشغلهم عن الرسول - صلى الله عليه وسلم - وسلم بنفسه , وجرّد من ذاته جيشاً بأسره.... أجل , ذهب مصعب يقاتل وحده كأنه جيش لَجِبٌ غزير..

يد تحمل الراية في تقديس..
ويد تضرب بالسيف في عنفوان..

ولكن الأعداء يتكاثرون عليه , يريدون أن يعبروا فوق جثته إلى حيث يلقون الرسول..

ولْندع شاهد عيان يصف لنا مشهد الختام في حياة مصعب العظيم..!!

قال:
[ حمل " مصعب بن عمير " اللواء يوم أُحُد , فلما جَالَ المسلمون ثبت بِه مصعب ’ فأقبل ابن قميئة وهو فارس , فضربه على يَده اليمنى فقطعها , ومصعب يقول: وما محمدٌ إلا رسولٌ قد خَلتَ من قبلهِ الرُّسُلُ..
......" وأخذ اللواء بيده اليسرى وحَنَا عليه , فضربَ يده اليُسرى فقطعها , فَحنا على اللواء وضمَّه بعضديه إلى صدره وهو يقول: وما محمدٌ إلا رسولٌ قد خَلت من قبله الرُّسل......
" ثمَّ حملَ عليه الثالثة بالرُّمح فّأنْفذهُ واندقَّ الرُّمح , ووقع مصعب , وسقط اللواء ] ...

وقع مصعب ... وسقط اللواء..!!
وقع حِلْية الشهادة , وكوكب الشهداء..!!
وقع بعد أن خاض في استبسال عظيم معركة الفداء والإيمان..

كان يظن أنه إذا سقط , فسيصبح طريق القتلة إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خالساً من المدافعين والحماة..

ولكنه كان يعزي نفسه في رسول الله عليه السلام من فرط حبه له وخوفه عليه حين مضى يقول مع كل ضربة سيف تقتلع منه ذراعاً:
[ وما محمد إلاّ رسولٌ قَدْ خَلتْ من قبلهِ الرُّسلُ ]..

هذه الآية التي سينزل الوحي فيما بعد يرددها , ويكملها , ويجعلها , قرآناً يُتلى ..

* * *


وبعد انتهاء المعركة المريرة , وُجد جثمان الشهيد الرشيد راقداً , وقد أخفى وجهه في تراب الأرض المضمخ بدمائه الزكية ..

لكأنما خاف أن يبصر وهو جثة هامدة رسول الله يصيبه السوء , فأخفى وجهه حتى لا يرى هذا الذي يُحاذره ويخشاه ... !!

أو لكأنمه استحى إذا سقط شهيداً قبل أن يطمئن على نجاة رسول الله , وقبل أن يؤدي إلى النهاية واجب حمايته والدفاع عنه .. !!

لك الله يا مصعب .. يا من ذِكْركَ عِطر للحياة .. !!

* * *


وجاء الرسول وأصحابه يتفقدون أرض المعركة ويودعون شهداءها ..
وعند جثمان مصعب , سالت دموع وفية غزيرة ..

يقول خَبَّاب ين الأرتّ :
[ هاجرْنَا معَ رسول الله -صلى الله عليه وسلم - في سبيل الله , نبتغي وجه الله , فوجبَ أجرْنا على الله .. فمنا من مضى , ولم يَأْكل من أجره في دنياه شيئاً - منهم مصعب بن عمير - قُتلَ يوم أُحُد.. فلم يوجد لهُ شيء يكفن فيه إلا نَمِرَة.. فكنا إذا وضعناها على رَأسه تَعَرَّتْ رجلاه , وإذا وضعناها على رجليه برزت رأسه , فقال لنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : { اجعلوها مما يلي رأْسَهُ , واجعلوا على رجليهِ من نبات الإذْخر}.. ] ..

وعلى الرغم من الألم الحزين العميق الذي سببه رُزء الرسول - صلى الله عليه وسلم - في عمه حمزة , وتمثيل المشركين بجثمانه تمثيلاً أفاض دموع الرسول عليه السلام , وأوجع فؤاده ...

وعلى الرغم من امتلاء أرض المعركة بجثث أصحابه وأصدقائه الذين كان كل واحد منهم يمثل لديه عالماً من الصدق والطهر والنور..

على الرغم من كل هذا , فقد وقف على جثمان أول سفرائه , يودعه وينعاه .. أجل .. وقف الرسول - صلى الله عليه وسلم - عند مصعب بن عمير وقال وعيناه تلفانه بضيائهما وحنانهما ووفائهما :
{ من المؤمنينَ رجالٌ صدقُوا ما عَاهدُوا الله عليه } ..
ثم ألقى في أسى نظرة على بُرْدته التي كُفّن فيها وقال :
{ لقد رأيتكَ بمكة , وما بها أرقّ حُلَّةً , ولا أحسن لِمَّةً منكَ .. ثم ها أنتَ ذا شَعِثُ الرأس في بُرْدَة }..؟!

وهتف الرسول عليه السلام وقد وسعت نظراته الحانية أرض المعركة بكل من عليها من " رِفاق مصعب " وقال :
{ إنَّ رسولَ الله يشهدُ أنكم الشهداءُ عند الله , يوم القيامة } ..
قم أقبل على أصحابه الأحياء حوله وقال :
{ أيها الناسُ زوروهم , وَأْتوهُمْ , وسَلّموا عليهم , فوالذي نفسي بيده , لا يُسلم عليهم مُسَلّمٌ إلى يوم القيامة , إلا رَدُّوا عليه السلام } ..

* * *


السلام عليك يا مصعب...
السلام عليكم يا معشر الشهداء...
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته...

=====================

المصدر: كتاب رجَال حَوْلَ الرسُول/للكاتب خَالِد محمَّد خَالِدْ
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://dynastywarriors.yoo7.com/profile.forum
 
مُصْعَبُ بن عُمَيْر
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
أسرار الممالك الثلاث :: الاقسام النقاشية :: التاريخ الإسلامي-
انتقل الى: