أسرار الممالك الثلاث
مرحباً , نتمنى أن تكون على ما يرام : تفضل بتسجيل الدخول إذا كنت أحد أعضاءنا , او تفضل بالتسجيل إذا أردت الانضمام إلى اسرتنا الكريمة.

تسجيلك في المنتدى سيمنحك فرصة المشاركة في المواضيع و ابراز رأيك في المنتدى, و ستفتح لك مميزات جديدة و اقسام جديدة لدخولها.


منتدى تاريخي , يهتم بتاريخ الممالك الثلاثة واليابان والتاريخ الاسلامي , ويشتمل المنتدى كذلك على اقسام أخرى متنوعة.
 
مكتبة الصورالتسجيلدخولبحـثس .و .جالرئيسية
يتم تفعيل العضوية الغير مفعلة من قبل نفس العضو عبر بريده الالكتروني بشكل دوري من قبل الإدارة لذى اذا لم يتمكن العضو من تفعيل عضويته عبر البريد الالكتروني سوف تتكفل الإدارة بذلك من خلال لوحة التحكم ..
بحـث
 
 

نتائج البحث
 

 


Rechercher بحث متقدم
اقتباسات عشوائية

شاطر | 
 

  سيرة أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-

استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
The Stranger
Marquis
Marquis


ذكر عدد الرسائل : 3357
العمر : 22
الدولة : في عآلم الغربه...
أفضل مملكة : Shu
تاريخ التسجيل : 14/11/2009

مُساهمةموضوع: سيرة أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-   الخميس 21 يونيو 2012, 8:06 am





بسم الله الرحمن الرحيم



السلام عليكم ورحمة الله وبركاته



الحمدلله باسط الأرض ورافع السماء وخالق الإنس والجان وجاعل الشمس والقمر في فلك لا يلتقيان

والصلاة والسلام على خير الخلق أجمعين محمد الأمين -صلى الله عليه وسلم- وعلى آله وصحبه ليوم الدين


أردت أن أنزل هذه السيرة العظيمة لهذا الصحابي الجليل والمبدع بجميع المجالات أرجو أن يستفيد الكل منها

وأن لا تفوتوا قرآءتها كاملة طبعاً ستنزل على شكل أجزاء يومياً حتى تكتمل..



بسم الله أبدأ




الفصل الأول


أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- في مكة





المبحث الأول


اسمه ونسبه وكنيته وألقابه وصفاته


وأسرته وحياته في الجاهلية




أولاً: اسمه ونسبه وكنيته وألقابه:


هو عبد الله بن عثمان بن
عامر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم بن مرة بن كعب بن لؤي بن غالب القرشي التيمي , ويلتقي مع
النبي -صىل الله عليه وسلم- في النسب في الجد السادس مرة بن كعب ويكنى بأبي بكر، وهي من
البكر وهو الفَتِيُّ من الإبل، والجمع بكارة وأبكر، وقد سمت العرب بكرًا، وهو أبو
قبيلة عظيمة.


ولقب أبو بكر -رضي الله عنه- بألقاب عديدة، كلها تدل على سمو المكانة، وعلو المنزلة وشرف الحسب، منها:




1-العتيق:


لقبه به النبي -صلى الله عليه وسلم-،
فقد قال له -صلى الله عليه وسلم-: «أنت عتيق
الله من النار»، فسمي عتيقا.
وفي رواية عائشة قالت: دخل أبو بكر الصديق على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال
له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أبشر،
فأنت عتيق الله من النار».
فمن يومئذ سُمي عتيقًا.وقد ذكر المؤرخون أسباب كثيرة لهذا اللقب، فقد قيل: إنما سمي عتيقاً لجمال وجهه.وقيل: لأنه كان قديماً في
الخير.
وقيل: سمي عتيقاً لعتاقة
وجهه.وقيل: إن أمَّ أبي بكر كان لا يعيش لها ولد، فلما ولدته استقبلت به الكعبة وقالت:
اللهم إن هذا عتيقك من الموت فهبه لي.ولا مانع للجمع بين بعض هذه الأقوال؛ فأبو بكر جميل الوجه، حسن النسب، صاحب يد سابقة إلى الخير، وهو
عتيق الله من النار بفضل بشارة النبي -صلى الله عليه وسلم- له.




2- الصدِّيق:


لقبه به النبي -صلى الله عليه وسلم-، ففي
حديث أنس -رضي الله عنه- أنه قال: إن النبي -صلى الله عليه وسلم- صعد أحدا، وأبو بكر، وعمر، وعثمان، فرجف بهم فقال: «اثبت أحد، فإنما عليك نبي وصديق وشهيدان».


وقد لقب بالصديق لكثرة
تصديقه للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وفي هذا تروي أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-
فتقول: لما أسري بالنبي -صلى الله عليه وسلم- إلى المسجد الأقصى، أصبح يتحدث الناس بذلك، فارتد ناس
كانوا آمنوا به وصدقوه، وسعى رجال إلى أبي بكر، فقالوا: هل لك إلى صاحبك؟ يزعم أن أسري به الليلة إلى بيت المقدس! قال: وقد قال
ذلك؟ قالوا: نعم، قال: لئن قال ذلك فقد صدق. قالوا: أو تصدقه أنه ذهب الليلة إلى
بيت المقدس، وجاء قبل أن يصبح؟!! قال: نعم، إني لأصدقه فيما هو أبعد من ذلك، أصدقه
بخبر السماء في غدوة أو روحة، فلذلك سمي أبو بكر: الصديق.



وقد
أجمعت الأمة على تسميته بالصديق لأنه بادر إلى تصديق الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ولازمه الصدق فلم تقع منه هناة أبدًا.
فقد اتصف بهذا اللقب ومدحه الشعراء، قال أبو محجن الثقفي:


وسُميت
صديقا وكل مهاجر







سواك
يسمى باسمه غير منكر





سبقت
إلى الإسلام والله شاهد





وكنت
جليسًا في العريش المشهر







وأنشد الأصمعي
فقال:







ولكني
أحب بكل قلبي







وأعلم
أن ذاك من الصواب





رسولَ
الله والصديقَ حبًّا







به
أرجو غدًا حسن الثواب








3- الصاحب:


لقبه به الله -عز وجل- في القرآن الكريم: +إِلاَّ تَنصُرُوهُ
فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ
هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا
فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا
وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ
الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"[التوبة:40].


وقد أجمع العلماء على أن الصاحب المقصود هنا هو أبو
بكر -رضي الله عنه-
فعن أنس أن أبا بكر حدثه فقال: قلت للنبي -صلى الله عليه وسلم- وهو في الغار: لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا
تحت قدميه!! فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-:
«يا أبا بكر، ما ظنك باثنين
الله ثالثهما؟».



قال الحافظ ابن حجر -رحمه الله-: +إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ
نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا
فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا" [التوبة:
40] فإن المراد بصاحبه هنا أبو بكر بلا منازع، والأحاديث في كونه كان معه في الغار كثيرة شهيرة،
ولم يشركه في المنقبة غيره.






4- الأتقى:


لقبه به الله -عز وجل- في
القرآن الكريم في قوله تعالى: +وَسَيُجَنَّبُهَا
الأتْقَى" [الليل: 17]، وسيأتي بيان ذلك في حديثنا عن المعذبين في الله الذين
أعتقهم أبو بكر -رضي الله عنه-.





5-الأواه:


لقب أبو بكر بالأواه، وهو لقب يدل على الخوف والوجل
والخشية من الله تعالى، فعن إبراهيم النخعي قال: كان أبو بكر يسمى بالأواه لرأفته
ورحمته.





ثانيًا: مولده
وصفته الْخَلْقِيَّة.


لم يختلف العلماء في أنه ولد بعد عام الفيل، وإنما
اختلفوا في المدة التي كانت بعد عام الفيل، فبعضهم قال بثلاث سنين، وبعضهم ذكر
بأنه ولد بعد عام الفيل بسنتين وستة أشهر، وآخرون قالوا بسنتين وأشهر، ولم يحددوا
عدد الأشهر.


وقد نشأ نشأة كريمة طيبة في حضن أبوين لهما الكرامة
والعز في قومهما، مما جعل أبا بكر ينشأ كريم النفس، عزيز المكانة في قومه.



وأما صفته الخَلْقية، فقد كان يوصف بالبياض في
اللون، والنحافة في البدن، وفي هذا يقول قيس بن أبي حازم: دخلت على أبي بكر، وكان
رجلا نحيفًا، خفيف اللحم أبيض.
وقد وصفه أصحاب السير من أفواه الرواة فقالوا: إن أبا بكر -رضي الله عنه-
اتصف بأنه كان أبيض تخالطه صفرة، حسن القامة، نحيفًا خفيف العارضين، أجنأ،
لا يستمسك إزاره يسترخي عن حقويه
رقيقا معروق الوجه،
غائر العينين،
أقنى،
حمش الساقين،
ممحوص الفخذين،
كان ناتئ الجبهة، عاري الأشاجع،
ويخضب لحيته وشيبه بالحناء والكتم.























عدل سابقا من قبل The Stranger في الأحد 24 يونيو 2012, 6:08 pm عدل 1 مرات
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://dynastywarriors.yoo7.com/profile.forum
The Stranger
Marquis
Marquis


ذكر عدد الرسائل : 3357
العمر : 22
الدولة : في عآلم الغربه...
أفضل مملكة : Shu
تاريخ التسجيل : 14/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: سيرة أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-   الخميس 21 يونيو 2012, 10:10 pm

ثالثًا: أسرته.


أما والده فهو عثمان بن عامر بن عمرو، يكنى بأبي قحافة، أسلم يوم الفتح، وأقبل به الصديق على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: «يا أبا بكر، هلا تركته حتى نأتيه»، فقال أبو بكر: هو أولى أن يأتيك يا رسول الله. فأسلم أبو قحافة وبايع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويروى أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هنأ أبا بكر -رضي الله عنه- بإسلام أبيه، وقال لأبي بكر: «غيروا هذا من شعره»، فقد كان رأس أبي قحافة مثل الثغامة.
وفي هذا الخبر منهج نبوي كريم سنه النبي -صلى الله عليه وسلم- في توقير كبار السن واحترامهم، ويؤكد ذلك قوله -صلى الله عليه وسلم-: «ليس منا من لم يوقر كبيرنا ويرحم صغيرنا».
وأما والدة الصديق: فهي سلمى بنت صخر بن عمرو بن كعب بن سعد بن تيم، وكنيتها أم الخير، أسلمت مبكرًا، وسيأتي تفصيل ذلك في واقعة إلحاح أبي بكر -رضي الله عنه- على النبي -صلى الله عليه وسلم- على الظهور بمكة.
وأما زوجاته: فقد تزوج -رضي الله عنه- من أربع نسوة، أنجبن له ثلاثة ذكور وثلاث إناث، وهن على التوالي:


1- قتيلة بنت عبد العزى بن أسعد بن جابر بن مالك:
اختلف في إسلامها ، وهي والدة عبد الله وأسماء، وكان أبو بكر -رضي الله عنه- طلقها في الجاهلية وقد جاءت بهدايا فيها أقط وسمن إلى ابنتها أسماء بنت أبي بكر بالمدينة، فأبت أن تقبل هديتها وتدخلها بيتها، فأرسلت إلى عائشة تسأل النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «لتدخلها، ولتقبل هديتها»، وأنزل الله -عز وجل-: +لاَ يَنْهَاكُمُ اللهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ أَن تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ" [الممتحنة: 8]، أي: لا يمنعكم الله من البر والإحسان وفعل الخير إلى الكفار الذين سالموكم ولم يقاتلوكم في الدين كالنساء الضعيفة منهم؛ كصلة الرحم، ونفع الجار، والضيافة، ولم يخرجوكم من دياركم، ولا يمنعكم أيضا من أن تعدلوا فيما بينكم وبينهم؛ بأداء ما لهم من الحق؛ كالوفاء لهم بالوعود، وأداء الأمانة، وإيفاء أثمان المشتريات كاملة غير منقوصة. إن الله يحب العادلين ويرضى عنهم، ويمقت الظالمين ويعاقبهم.



2- أم رومان بنت عامر بن عويمر:
من بني كنانة بن خزيمة، مات عنها زوجها الحارث بن سخبرة بمكة، فتزوجها أبو بكر، وأسلمت قديمًا، وبايعت، وهاجرت إلى المدينة، وهي والدة عبد الرحمن وعائشة رضي الله عنهم، وتوفيت في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم- بالمدينة سنة ست من الهجرة.


3- أسماء بنت عُمَيـس بن معبد بن الحارث:
أم عبد الله، من المهاجرات الأوائل، أسلمت قديمًا قبل دخول دار الأرقم، وبايعت الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وهاجر بها زوجها جعفر بن أبي طالب -رضي الله عنه- إلى الحبشة، ثم هاجرت معه إلى المدينة فاستشهد يوم مؤتة، وتزوجها الصديق فولدت له محمدا. روى عنها من الصحابة: عمر، وأبو موسى، وعبد الله بن عباس، وهو ابن اختها أم الفضل امرأة العباس. وأمها هند بنت عوف ابن زهير وكانت أكرم الناس أصهارًا؛ فمن أصهارها: رسول الله وحمزة والعباس وغيرهم .


4- حبيبة بنت خارجة بن زيد بن أبي زهير:
الأنصارية، الخزرجية وهي التي ولدت لأبي بكر أم كلثوم بعد وفاته، وقد أقام عندها الصديق بالسنح.


وأما أولاد أبي بكر -رضي الله عنه- فهم:


1- عبد الرحمن بن أبي بكر:
أسن ولد أبي بكر، أسلم يوم الحديبية، وحسن إسلامه، وصحب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد اشتهر بالشجاعة، وله مواقف محمودة ومشهودة بعد إسلامه.


2- عبد الله بن أبي بكر:

صاحب الدور العظيم في الهجرة، فقد كان يبقى في النهار بين أهل مكة يسمع أخبارهم ثم يتسلل في الليل إلى الغار لينقل هذه الأخبار لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبيه، فإذا جاء الصبح عاد إلى مكة. وقد أصيب بسهم يوم الطائف، فماطله حتى مات شهيدا بالمدينة في خلافة الصديق.


3- محمد بن أبي بكر:
أمه أسماء بنت عميس، ولد عام حجة الوداع وكان من فتيان قريش، عاش في حجر علي بن أبي طالب، وولاه مصر وبها قتل.


4- أسماء بنت أبي بكر:

ذات النطاقين، أسن من عائشة، سماها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ذات النطاقين لأنها صنعت لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولأبيها سفرة لما هاجرا فلم تجد ما تشدها به، فشقت نطاقها وشدت به السفرة، فسماها النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك. وهي زوجة الزبير بن العوام وهاجرت إلى المدينة وهي حامل بعبد الله بن الزبير فولدته بعد الهجرة، فكان أول مولود في الإسلام بعد الهجرة، بلغت مائة سنة ولم ينكر من عقلها شيء، ولم يسقط لها سِنٌّ. رُوي لها عن الرسول -صلى الله عليه وسلم- ستة وخمسون حديثا، روى عنها عبد الله بن عباس، وأبناؤها عبد الله وعروة، وعبد الله بن أبي مُليكة وغيرهم، وكانت جوادة منفقة، توفيت بمكة سنة 73 هـ .


5- عائشة أم المؤمنين رضي الله عنها:
الصديقة بنت الصديق، تزوجها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهي بنت ست ستين، ودخل بها وهي بنت تسع سنين، وأعرس بها في شوال، وهي أعلم النساء، كناها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أم عبد الله، وكان حبه لها مثالاً للزوجية الصالحة .
كان الشعبي يحدث عن مسروق أنه إذا تحدث عن أم المؤمنين عائشة يقول: حدثتني الصديقة بنت الصديق المبرأة حبيبة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ومسندها يبلغ ألفين ومائتين وعشرة أحاديث (2210)، اتفق البخاري ومسلم على مائة وأربعة وسبعين حديثا، وانفرد البخاري بأربعة وخمسين، وانفرد مسلم بتسعة وستين، وعاشت ثلاثًا وستين سنة وأشهرًا، وتوفيت سنة 57 هـ، ولا ذرية لها .


6- أم كلثوم بنت أبي بكر:
أمها حبيبة بنت خارجة، قال أبو بكر لأم المؤمنين عائشة حين حضرته الوفاة: إنما هما أخواك وأختاك، فقالت: هذه أسماء قد عرفتها، فمن الأخرى؟ قال: ذو بطن بنت خارجة، قد ألقى في خلدي أنها جارية، فكانت كما قال: وولدت بعد موته. تزوجها طلحة بن عبيد الله وقتل عنها يوم الجمل، وحجت بها عائشة في عدتها فأخرجتها إلى مكة .
هذه هي أسرة الصديق المباركة التي أكرمها الله بالإسلام، وقد اختص بهذا الفضل أبو بكر -رضي الله عنه- من بين الصحابة، وقد قال العلماء: لا يعرف أربعة متناسلون بعضهم من بعض صحبوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلا آل أبي بكر الصديق، وهم: عبد الله بن الزبير، أمه أسماء بنت أبي بكر بن أبي قحافة، فهؤلاء الأربعة صحابة متناسلون، وأيضا محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة رضي الله عنهم .
وليس من الصحابة من أسلم أبوه وأمه وأولاده، وأدركوا النبي -صلى الله عليه وسلم- وأدركه أيضا بنو أولاده إلا أبو بكر من جهة الرجال والنساء -وقد بينت ذلك- فكلهم آمنوا بالنبي وصحبوه، فهذا بيت الصديق، فأهله أهل إيمان، ليس فيهم منافق ولا يعرف في الصحابة مثل هذه لغير بيت أبي بكر رضي الله عنهم.
وكان يقال: للإيمان بيوت وللنفاق بيوت، فبيت أبي بكر من بيوت الإيمان من المهاجرين، وبيت بني النجار من بيوت الإيمان من الأنصار.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://dynastywarriors.yoo7.com/profile.forum
داندونه
Marquis
Marquis


انثى عدد الرسائل : 1452
العمر : 22
الدولة : kingdom of saudia arabia
أفضل مملكة : Wei
تاريخ التسجيل : 05/12/2011

مُساهمةموضوع: رد: سيرة أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-   الجمعة 22 يونيو 2012, 4:10 pm

الله يسلم قلبك على هل لمجهود
وربي قاعده اقراها وانا فخوره لانه من العرب
ومن ابرز الناس اللي وقفو مع الرسول صلى الله عليه وسلم
تاريخنا رهيب وحافل بلأنجازات وأحلا شي فيه انك كل مره تتفاجأ بشيً غريب او جديد
شكرًا اخوي the. streanger على القراءة الممتعة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://dandunah.tumblr.com/
The Stranger
Marquis
Marquis


ذكر عدد الرسائل : 3357
العمر : 22
الدولة : في عآلم الغربه...
أفضل مملكة : Shu
تاريخ التسجيل : 14/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: سيرة أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-   السبت 23 يونيو 2012, 8:16 pm

عفواً, أختي هذه فقط 1% من سيرته وسأكملها جميعها بإذن الله..



وقراءة ممتعة أكثر ومفيدة ان شاء الله..



===========================



بسبب اني تأخرت يوم ولم اضعها وأني اخبرت شخص بأني سأضع جزئين بدل الواحد سأضع الآن أربع أجزاء...



===========================





بسم الله..



===========





رابعًا: الرصيد الْخُلُقي للصديق في المجتمع الجاهلي:




كان أبو بكر الصديق في الجاهلية من وجهاء قريش وأشرافهم وأحد رؤسائهم، وذلك أن الشرف في قريش قد انتهى قبل ظهور الإسلام إلى عشرة رهط من عشرة أبطن؛ فالعباس ابن عبد لمطلب من بني هاشم، وكان يسقي الحجيج في الجاهلية، وبقي له ذلك في الإسلام، وأبو سفيان بن حرب من بني أمية، وكان عنده العقاب (راية قريش)، فإذا لم تجتمع قريش على واحد رأسوه هو وقدموه، والحارث بن عامر من بني نوفل، وكانت إليه الرفادة، وهي ما تدخره قريش من أموالها، وترصد به منقطع السبيل, وعثمان بن طلحة بن زمعة بن الأسود من بني أسد، وكانت إليه المشورة، فلا يُجمع على أمر حتى يعرضوه عليه، فإن وافق ولاهم عليه، وإلا تخير وكانوا له أعوانا. وأبو بكر الصديق من بني تيم وكانت إليه الأشناق، وهي الديات والمغارم، فكان إذا حمل شيئا فسأل فيه قريشا صدقوه، وأمضوا حمالة من نهض معه، وإن احتملها غيره خذلوه, وخالد بن الوليد من بني مخزوم، وكانت إليه القبة والأعنة، وأما القبة فإنهم كانوا يضربونها ثم يجمعون إليها ما يجهزون به الجيش، وأما الأعنة فإنه كان على خيل قريش في الحرب, وعمر بن الخطاب من بني عدي، وكانت إليه السفارة في الجاهلية, وصفوان بن أمية من بني جمح، وكانت إليه الأزلام، والحارث بن قيس من بني سهم، وكانت إليه الحكومة وأموال آلهتهم .


لقد كان الصديق في المجتمع الجاهلي شريفًا من أشراف قريش، وكان من خيارهم، ويستعينون به فيما نابهم، وكانت له بمكة ضيافات لا يفعلها أحد .


وقد اشتهر بعدة أمور، منها:


1- العلم بالأنساب: فهو عالم من علماء الأنساب وأخبار العرب، وله في ذلك باع طويل جعله أستاذ الكثير من النسابين كعقيل بن أبي طالب وغيره، وكانت له مزية حببته إلى قلوب العرب وهي: أنه لم يكن يعيب الأنساب، ولا يذكر المثالب بخلاف غيره، فقد كان أنسب قريش لقريش وأعلم قريش بها، وبما فيها من خير وشر. وفي هذا تروي عائشة –رضي الله عنها- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «إن أبا بكر أعلم قريش بأنسابها».


2- تجارته: كان في الجاهلية تاجرًا، ودخل بُصرى من أرض الشام للتجارة، وارتحل بين البلدان، وكان رأس ماله أربعين ألف درهم، وكان ينفق من ماله بسخاء وكرم عُرف به في الجاهلية .


3- موضع الألفة بين قومه وميل القلوب إليه: فقد ذكر ابن إسحاق في «السيرة» أنهم كانوا يحبونه ويألفونه، ويعترفون له بالفضل العظيم والخلق الكريم، وكانوا يأتونه ويألفونه لغير واحد من الأمر: لعلمه وتجارته وحسن مجالسته. وقد قال له ابن الدغنة حين لقيه مهاجرا: إنك لتزين العشيرة، وتعين على النوائب، وتكسب المعدوم، وتفعل المعروف. وقد علق ابن حجر على قول ابن الدغنة فقال: ومن أعظم مناقبه أن ابن الدغنة سيد القارة لما ردَّ عليه جواره بمكة وصفه بنظير ما وصفت به خديجةُ النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- لما بعث، فتوارد فيها نعت واحد من غير أن يتواطأ على ذلك، وهذه غاية في مدحه؛ لأن صفات النبي -صلى الله عليه وسلم- منذ نشأ كانت أكمل الصفات .


4- لم يشرب الخمر في الجاهلية: فقد كان أعف الناس في الجاهلية، حتى إنه حرم على نفسه الخمر قبل الإسلام، فقد قالت السيدة عائشة -رضي الله عنها-: حرم أبو بكر الخمر على نفسه، فلم يشربها في جاهلية ولا في إسلام، وذلك أنه مر برجل سكران يضع يده في العذرة، ويدنيها من فيه، فإذا وجد ريحها صرفها عنه، فقال أبو بكر: إن هذا لا يدري ما يصنع، وهو يجد ريحها فحماها. وفي رواية لعائشة: ولقد ترك هو وعثمان شرب الخمر في الجاهلية.
وقد أجاب الصديق من سأله هل شربت الخمر في الجاهلية؟ بقوله: أعوذ بالله، فقيل: ولِمَ؟ قال: كنت أصون عرضي، وأحفظ مروءتي، فإن من شرب الخمر كان مضيعًا لعرضه ومروءته .


5- ولم يسجد لصنم: ولم يسجد الصديق -رضي الله عنه- لصنم قط، قال أبو بكر -رضي الله عنه- في مجمع من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ما سجدت لصنم قط، وذلك أني لما ناهزت الحلم أخذني أبو قحافة بيدي فانطلق بي إلى مخدع فيه الأصنام، فقال لي: هذه آلهتك الشم العوالي، وخلاني وذهب، فدنوت من الصنم وقلت: إني جائع فأطعمني فلم يُجبني، فقلت: إني عارٍ فاكسني فلم يجبني، فألقيت عليه صخرة فخرَّ لوجهه.
وهكذا حمله خلقه الحميد وعقله النير وفطرته السليمة على الترفع عن كل شيء يخدش المروءة وينقص الكرامة من أفعال الجاهليين وأخلاقهم التي تجانب الفطرة السليمة، وتتنافى مع العقل الراجح والرجولة الصادقة. فلا عجب على من كانت هذه أخلاقه أن ينضم لموكب دعوة الحق ويحتل فيها الصدارة، ويكون بعد إسلامه أفضل رجل بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقد قال -صلى الله عليه وسلم-: «خياركم في الجاهلية خياركم في الإسلام إذا فقهوا».
وقد علق الأستاذ رفيق العظم عن حياة الصديق في الجاهلية فقال: اللهم إن امرأ نشأ بين الأوثان حيث لا دين زاجر، ولا شرع للنفوس قائد، وهذا مكانه من الفضيلة، واستمساكه بعرى العفة والمروءة... لجدير بأن يتلقى الإسلام بملء الفؤاد، ويكون أول مؤمن بهادي العباد، مبادر بإسلامه لإرغام أنوف أهل الكبير والعناد، ممهد سبيل الاهتداء بدين الله القويم، الذي يجتث أصول الرذائل من نفوس المهتدين بهديه، المستمسكين بمتين سببه .
لله در الصديق -رضي الله عنه-, فقد كان يحمل رصيدًا ضخمًا من القيم الرفيعة، والأخلاق الحميدة والسجايا الكريمة في المجتمع القرشي قبل الإسلام، وقد شهد له أهل مكة بتقدمه على غيره في عالم الأخلاق والقيم والمثل، ولم يُعلم أحد من قريش عاب أبا بكر بعيب ولا نقصه
ولا استرذله كما كانوا يفعلون بضعفاء المؤمنين، ولم يكن له عندهم عيب إلا الإيمان
بالله ورسوله .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://dynastywarriors.yoo7.com/profile.forum
The Stranger
Marquis
Marquis


ذكر عدد الرسائل : 3357
العمر : 22
الدولة : في عآلم الغربه...
أفضل مملكة : Shu
تاريخ التسجيل : 14/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: سيرة أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-   السبت 23 يونيو 2012, 8:36 pm



المبحث الثاني
إسلامه ودعوته وابتلاؤه وهجرته الأولى


أولاً: إسلامه:


كان إسلام أبي بكر -رضي الله عنه- وليد رحلة إيمانية طويلة في البحث عن الدين الحق الذي ينسجم مع الفطرة السليمة ويلبي رغباتها، ويتفق مع العقول الراجحة والبصائر النافذة، فقد كان بحكم عمله التجاري كثير الأسفار، قطع الفيافي والصحاري، والمدن والقرى في الجزيرة العربية، وتنقل من شمالها إلى جنوبها، ومن شرقها إلى غربها، واتصل اتصالاً وثيقًا بأصحاب الديانات المختلفة وبخاصة النصرانية، وكان كثير الإنصات لكلمات النفر الذين حملوا راية التوحيد، راية البحث عن الدين القويم، فقد حدث عن نفسه فقال: كنت جالسًا بفناء الكعبة، وكان زيد بن عمرو بن نُفيل قاعدا، فمر ابن أبي الصلت، فقال: كيف أصبحت يا باغي الخير؟ قال: بخير، قال: وهل وجدت؟ قال: لا، فقال:


كل دين يوم القيامة إلا *** ما مضى في الحنيفية بور


أما إنَّ هذا النبي الذي ينتظر منا أو منكم، قال: ولم أكن سمعت قبل ذلك بنبي يُنتظر ويبعث، قال: فخرجت أريد ورقة بن نوفل -وكان كثير النظر إلى السماء كثير همهمة الصدر- فاستوقفته، ثم قصصت عليه الحديث، فقال: نعم يا ابن أخي، إنا أهل الكتب والعلوم، ألا إن هذا النبي الذي يُنتظر من أوسط العرب نسبًا -ولي علم بالنسب- وقومك أوسط العرب نسبًا، قلت: يا عم وما يقول النبي؟ قال: يقول ما قيل له؟ إلا أنه لا يظلم، ولا يُظلم ولا يُظالم، فلما بُعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- آمنت به وصدقته ، وكان يسمع ما يقوله أمية بن أبي الصلت، في مثل قوله:


ألا نبي لنا منا فيخبرنا *** ما بعد غايتنا من رأس مجرانا

إني أعوذ بمن حج الحجيج له *** والرافعون لدين الله أركانا



لقد عايش أبو بكر هذه الفترة ببصيرة نافذة، وعقل نير، وفكر متألق، وذهن وقاد، وذكاء حاد، وتأمل رزين ملأ عليه أقطار نفسه، ولذلك حفظ الكثير من هذه الأشعار، ومن تلك الأخبار: فعندما سأل الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم- أصحابه يومًا -وفيهم أبو بكر الصديق- قائلا: «من منكم يحفظ كلام قس بن ساعدة في سوق عكاظ؟»، فسكت الصحابة، ونطق الصديق قائلا: إني أحفظها يا رسول الله, كنت حاضرًا يومها في سوق عكاظ، ومن فوق جمله الأورق وقف قس يقول: أيها الناس، اسمعوا وعوا، وإذا وعيتم فانتفعوا، إن من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت. إن في السماء لخبرًا، وإن في الأرض لعِبَرًا، مهاد موضوع، وسقف مرفوع، ونجوم تمور، وبحار لن تغور، ليل داج، وسمات ذات أبراج!!


يُقسم قس: إن لله دينًا هو أحب إليه من دينكم الذي أنتم عليه. ما لي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون، أرضوا بالمقام فأقاموا، أم تركوا فناموا، ثم أنشد قائلاً:


في الذاهبين الأولين *** من القرون لنا بصائره

لما رأيت مواردًا *** للموت ليس لها مصادره

ورأيت قومي نحوها *** يسعى الأكابر والأصاغره

أيقنت أني لا محا *** لة حيث صار القوم صائره



وبهذا الترتيب الممتاز، وبهذه الذاكرة الحديدية، وهي ذاكرة استوعبت هذه المعاني، يقص الصديق ما قاله قس بن ساعدة على رسول الله وأصحابه .
وقد رأى رؤيا لما كان في الشام فقصها على بحيرا الراهب ، فقال له: من أين أنت؟ قال: من مكة، قال: من أيها؟ قال: من قريش، قال: فأي شيء أنت؟ قال: تاجر، قال: إن صدق الله رؤياك، فإنه يبعث بنبي من قومك، تكون وزيره في حياته، وخليفته بعد موته، فأسر ذلك أبو بكر في نفسه .
لقد كان إسلام الصديق بعد بحث وتنقيب وانتظار، وقد ساعده على تلبية دعوة الإسلام معرفته العميقة وصلته القوية بالنبي -صلى الله عليه وسلم- في الجاهلية، فعندما نزل الوحي على النبي -صلى الله عليه وسلم- وأخذ يدعو الأفراد إلى الله، وقع أول اختياره على الصديق-رضي الله عنه-؛ فهو صاحبه الذي يعرفه قبل البعثة بدماثة خلقه، وكريم سجاياه، كما يعرف أبو بكر النبي -صلى الله عليه وسلم- بصدقه، وأمانته وأخلاقه التي تمنعه من الكذب على الناس، فكيف يكذب على الله؟.
فعندما فاتحه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بدعوة الله وقال له: «...إني رسول الله ونبيه، بعثني لأبلغ رسالته، وأدعوك إلى الله بالحق، فوالله إنه للحق، أدعوك يا أبا بكر إلى الله وحده لا شريك له، ولا تعبد غيره، والموالاة على طاعته».
فأسلم الصديق ولم يتلعثم وتقدم ولم يتأخر، وعاهد رسول الله على نصرته، فقام بما تعهد، ولهذا قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في حقه: «إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله، فهل أنتم تاركون لي صاحبي؟» مرتين.
وبذلك كان الصديق -رضي الله عنه- أول من أسلم من الرجال الأحرار، قال إبراهيم النخعي، وحسان بن ثابت وابن عباس وأسماء بنت أبي بكر: أول من أسلم أبو بكر، وقال يوسف ابن يعقوب الماجشون: أدركت أبي ومشيختنا: محمد بن المنكدر، وربيعة بن عبد الرحمن، وصالح بن كيسان، وسعد بن إبراهيم، وعثمان بن محمد الأخنس، وهم لا يشكون أن أول القوم إسلاما أبو بكر. وعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: أول من صلى أبو بكر، ثم تمثل بأبيات حسان:


إذا تذكرت شجوًا من أخي ثقة *** فاذكر أخاك أبا بكر بما فعلا

خير البرية أتقاها وأعدلها *** إلا النبي وأوفاها بما حملا

الثاني التالي المحمود مشهده *** وأول الناس طرًّا صدق الرسلا

وثاني اثنين في الغار المنيف وقد *** طاف العدو به إذ صعد الجبلا

وعاش حمدًا لأمر الله متبعًا *** بهدى صاحبه الماضي وما انتقلا

وكان حب رسول الله قد علموا *** من البرية لم يعدل به رجلا

هذا وقد ناقش العلماء قضية إسلام الصديق، وهل كان -رضي الله عنه- أول من أسلم؛ فمنهم من جزم بذلك، ومنهم من جزم بأن عليًا أول من أسلم، ومنهم من جعل زيد بن حارثة أول من أسلم. وقد جمع الإمام ابن كثير -رحمه الله- بين الأقوال جمعًا طيبًا فقال: «والجمع بين الأقوال كلها: أن خديجة أول من أسلم من النساء -وقيل الرجال أيضا- وأول من أسلم من الموالي زيد بن حارثة، وأول من أسلم من الغلمان علي بن أبي طالب، فإنه كان صغيرًا دون البلوغ على المشهور وهؤلاء كانوا آنذاك أهل بيته -صلى الله عليه، وأول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر الصديق، وإسلامه كان أنفع من إسلام من تقدم ذكرهم؛ إذ كان صدرًا معظمًا، رئيسًا في قريش مكرمًا، وصاحب مال وداعية إلى الإسلام، وكان محببا متآلفا يبذل المال في طاعة الله ورسوله» ثم قال: وقد أجاب أبو حنيفة -رحمه الله- بالجمع بين هذه الأقوال، فإن أول من أسلم من الرجال الأحرار أبو بكر، ومن النساء خديجة، ومن الموالي زيد بن حارثة، ومن الغلمان علي بن أبي طالب، رضي الله عنهم أجمعين .
وبإسلام أبي بكر عمَّ السرور قلب النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ حيث تقول أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: فلما فرغ من كلامه (أي النبي -صلى الله عليه وسلم-) أسلم أبو بكر، فانطلق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من عنده، وما بين الأخشبين أحد أكثر سرورا منه بإسلام أبي بكر . لقد كان أبو بكر كنزًا من الكنوز ادخره الله تعالى لنبيه، وكان من أحب قريش لقريش، فذلك الخلق السمح الذي وهبه الله تعالى إياه جعله من الموطئين أكنافا، من الذين يألفون ويؤلفون، والخلق السمح وحده عنصر كاف لألفة القوم، وهو الذي قال فيه عليه الصلاة والسلام: «أرحم أمتي بأمتي أبو بكر» .
وعلم الأنساب عند العرب، وعلم التاريخ هما أهم العلوم عندهم، ولدى أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- النصيب الأوفر منهما، وقريش تعترف للصديق بأنه أعلمها بأنسابها وأعلمها بتاريخها، وما فيه من خير وشر، فالطبقة المثقفة ترتاد مجلس أبي بكر لتنهل منه علمًا لا تجده عند غيره غزارة ووفرة وسعة، ومن أجل هذا كان الشباب النابهون والفتيان الأذكياء يرتادون مجلسه دائمًا، إنهم الصفوة الفكرية المثقفة التي تود أن تلقى عنده هذه العلوم، وهذا جانب آخر من جوانب عظمته.
وطبقة رجال الأعمال ورجال المال في مكة، هي كذلك من رواد مجلس الصديق؛ فهو إن لم يكن التاجر الأول في مكة، فهو من أشهر تجارها، فأرباب المصالح هم كذلك قُصَّاده، ولطيبته وحسن خلقه تجد عوام الناس يرتادون بيته، فهو المضياف الدمث الخلق، الذي يفرح بضيوفه، ويأنس بهم، فكل طبقات المجتمع المكي تجد حظها عند الصديق رضوان الله عليه.
كان رصيده الأدبي والعلمي والاجتماعي في المجتمع المكي عظيمًا، ولذلك عندما تحرك في دعوته للإسلام استجاب له صفوة من خيرة الخلق.


ثانيًا: دعوته.


أسلم الصديق -رضي الله عنه- وحمل الدعوة مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتعلم من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن الإسلام دين العمل والدعوة والجهاد، وأن الإيمان لا يكمل حتى يهب المسلم نفسه وما يملك لله رب العالمين ، قال تعالى: +قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي للهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ  لاَ شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ" [الأنعام: 162، 163]، وقد كان الصديق كثير الحركة للدعوة الجديدة، وكثير البركة، أينما تحرك أثَّر وحقق مكاسب عظيمة للإسلام، وقد كان نموذجًا حيًّا في تطبيقه لقول الله تعالى: +ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَن سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ" [النحل: 125].
كان تحرك الصديق -رضي الله عنه- في الدعوة إلى الله بوضوح صورة من صور الإيمان بهذا الدين، والاستجابة لله ورسوله، صورة المؤمن الذي لا يقر له قرار، ولا يهدأ له بال حتى يحقق في دنيا الناس ما آمن به، دون أن تكون انطلاقته دفعة عاطفية مؤقتة سرعان ما تخمد وتذبل وتزول، وقد بقي نشاط أبي بكر وحماسته للإسلام إلى أن توفاه الله -عز وجل- لم يفتر أو يضعف أو يمل أو يعجز .
كانت أول ثمار الصديق الدعوية دخول صفوة من خيرة الخلق في الإسلام، وهم: الزبير بن العوام، وعثمان بن عفان، وطلحة بن عبيد الله، وسعد بن أبي وقاص، وعثمان بن مظعون، وأبو عبيدة بن الجراح، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو سلمة بن عبد الأسد، والأرقم ابن أبي الأرقم رضي الله عنهم. وجاء بهؤلاء الصحابة الكرام فرادى فأسلموا بين يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فكانوا الدعامات الأولى التي قام عليها صرح الدعوة، وكانوا العُدَّة الأولى في تقوية جانب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبهم أعزه الله وأيده، وتتابع الناس يدخلون في دين الله أفواجًا، رجالاً ونساء، وكان كل من هؤلاء الطلائع داعية إلى الإسلام، وأقبل معهم، رعيل السابقين، الواحد والاثنان، والجماعة القليلة، فكانوا على قلة عددهم كتيبة الدعوة، وحصن الرسالة لم يسبقهم سابق ولا يلحق بهم لاحق في تاريخ الإسلام.
اهتم الصديق بأسرته فأسلمت أسماء وعائشة وعبد الله وزوجته أم رومان وخادمه عامر بن فهيرة، لقد كانت الصفات الحميدة والخلال العظيمة والأخلاق الكريمة التي تجسدت في شخصية الصديق عاملاً مؤثرًا في الناس عند دعوتهم للإسلام، فقد كان رصيده الخلقي ضخمًا في قومه وكبيرًا في عشيرته، فقد كان رجلاً مؤلفًا لقومه، محببًا لهم سهلاً، أنسب قريش لقريش، بل كان فرد زمانه في هذا الفن، وكان رئيسًا مكرمًا سخيًا يبذل المال، وكانت له بمكة ضيافات لا يفعلها أحد، وكان رجلا بليغًا .
إن هذه الأخلاق والصفات الحميدة لا بد منها للدعاة إلى الله، وإلا أصبحت دعوتهم للناس صيحة في واد ونفخة في رماد، وسيرة الصديق وهي تفسر لنا فهمه للإسلام وكيف عاش به في حياته حدى بالدعاة أن يتأسوا بها في دعوة الأفراد إلى الله تعالى.


ثالثًا: ابتلاؤه:


إن سنة الابتلاء ماضية في الأفراد والجماعات والشعوب والأمم والدول، وقد مضت هذه السنة في الصحابة الكرام، وتحملوا -رضوان الله عليهم- من البلاء ما تنوء به الرواسي الشامخات، وبذلوا أموالهم ودماءهم في سبيل الله، وبلغ بهم الجهد ما شاء الله أن يبلغ، ولم يسلم أشراف المسلمين من هذا الابتلاء، فلقد أوذي أبو بكر -رضي الله عنه- وحثي على رأسه التراب، وضُرِبَ في المسجد الحرام بالنعال، حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وحمل إلى بيته في ثوبه وهو ما بين الحياة والموت، فقد روت عائشة -رضي الله تعالى عنها- أنه لما اجتمع أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وكانوا ثمانية وثلاثين رجلاً ألح أبو بكر -رضي الله عنه- على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الظهور، فقال: يا أبا بكر إنا قليل، فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول الله، وتفرق المسلمون في نواحي المسجد كلُّ رجل في عشيرته، وقام أبو بكر في الناس خطيبًا ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- جالس، فكان أول خطيب دعا إلى الله تعالى وإلى رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين، فضربوه في نواحي المسجد ضربًا شديدًا، ووُطِئ أبو بكر وضرب ضربًا شديدًا، ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين ويُحرفهما لوجهه، ونزا على بطن أبي بكر -رضي الله عنه-, حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وجاءت بنو تيم يتعادون، فأجْلَتِ المشركين عن أبي بكر، وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله ولا يشكون في موته، ثم رجعت بنو تيم فدخلوا المسجد وقالوا: والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة، فرجعوا إلى أبي بكر فجعل أبو قحافة «والده» وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجاب، فتكلم آخر النهار فقال: ما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فمسوا منه بألسنتهم وعذلوه، وقالوا لأمه أم الخير: انظري أن تطعميه شيئًا أو تسقيه إياه، فلما خلت به ألحت عليه، وجعل يقول: ما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فقالت: والله ما لي علم بصاحبك، فقال: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه، فخرجت حتى جاءت أم جميل، فقالت: إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله، فقالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله، وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك؟ قالت: نعم، فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعًا دنفًا، فدنت أم جميل، وأعلنت بالصياح وقالت: والله إن قومًا نالوا منك لأهل فسق وكفر، إنني لأرجو أن ينتقم الهل لك منهم، قال: فما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قالت: هذه أمك تسمع، قال: فلا شيء عليك منها، قالت: سَالِم صَالِح، قال: أين هو؟ قالت: في دار الأرقم، قال: فإن لله عليَّ أن لا أذوق طعاما ولا أشرب شرابا أو آتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأمهلتا حتى إذا هدأت الرِّجْلُ وسكن الناس، خرجتا به يتكئ عليهما، حتى أدخلتاه على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: فأكب عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقبَّله، وأكب عليه المسلمون، ورقَّ له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رقة شديدة، فقال أبو بكر: بأبي وأمي يا رسول الله، ليس بي بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي، وهذه أمي برة بولدها وأنت مبارك فادعها إلى الله، وادع الله لها عسى الله أن يستنقذها بك من النار، قال: فدعا لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ودعاها إلى الله فأسلمت .
إن هذا الحدث العظيم في طياته دروس وعبر لكل مسلم حريص على الاقتداء بهؤلاء الصحب الكرام، ونحاول أن نستخرج بعض هذه الدروس التي منها:


1- حرص الصديق على إعلان الإسلام وإظهاره أمام الكفار، وهذا يدل على قوة إيمانه وشجاعته، وقد تحمل الأذى العظيم، حتى إن قومه كانوا لا يشكون في موته. لقد أُشْرب قلبه حب الله ورسوله أكثر من نفسه، ولم يعد يهمه بعد إسلامه إلا أن تعلو راية التوحيد، ويرتفع النداء: لا إله إلا اله محمد رسول الله في أرجاء مكة حتى لو كان الثمن حياته، وكاد أبو بكر فعلا أن يدفع حياته ثمنًا لعقيدته وإسلامه.


2- إصرار أبي بكر على الظهور بدعوة الإسلام وسط الطغيان الجاهلي، رغبة في إعلام الناس بذلك الدين الذي خالطت بشاشته القلوب رغم علمه بالأذى الذي قد يتعرض له وصحبه، وما كان ذلك إلا لأنه خرج من حظ نفسه.


3- حب الله ورسوله تغلغل في قلب أبي بكر وتغلب على حبه لنفسه، بدليل أنه رغم ما ألَمَّ به كان أول ما سأل عنه: ما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قبل أن يطعم أو يشرب، وأقسم أنه لن يفعل حتى يأتي رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم-، وهكذا يجب أن يكون حب الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- عند كل مسلم؛ أحب إليه مما سواهما حتى لو كلفه ذلك نفسه وماله.


4-إن العصبية القبلية كان لها في ذلك الحين دور في توجيه الأحداث والتعامل مع الأفراد حتى مع اختلاف العقيدة، فهذه قبيلة أبي بكر تهدد بقتل عتبة إن مات أبو بكر.


5- تظهر مواقف رائعة لأم جميل بنت الخطاب، توضح لنا كيف تربت على حُب الدعوة والحرص عليها، وعلى الحركة لهذا الدين، فحينما سألتها أم أبي بكر عن رسول الله قالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله، فهذا تصرف حذر سليم؛ لأن أم الخير لم تكن ساعتئذ مسلمة وأم جميل كانت تخفي إسلامها، ولا تود أن تعلم به أم الخير، وفي ذات الوقت أخفت عنها مكان الرسول -صلى الله عليه وسلم- مخافة أن تكون عينًا لقريش ، وفي نفس الوقت حرصت أم جميل أن تطمئن على سلامة الصديق، ولذلك عرضت على أم الخير أن تصحبها إلى ابنها، وعندما وصلت إلى الصديق كانت أم جميل في غاية الحيطة والحذر من أن تتسرب منها أي معلومة عن مكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأبلغت الصديق بأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سالم صالح، ويتجلى الموقف الحذر من الجاهلية التي تفتن الناس عن دينهم في خروج الثلاثة عندما (هدأت الرجل وسكن الناس) .


6- يظهر بر الصديق بأمه وحرصه على هدايتها في قوله لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: هذه أمي برة بولدها وأنت مبارك فادعها إلى الله وادع الله لها عسى أن يستنقذها بك من النار. إنه الخوف من عذاب الله والرغبة في رضاه وجنته، ولقد دعا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأم أبي بكر بالهداية فاستجاب الله له، وأسلمت أم أبي بكر وأصبحت من ضمن الجماعة المؤمنة المباركة التي تسعى لنشر دين الله تعالى. ونلمس رحمة الله بعباده ونلحظ من خلال الحدث (قانون المنحة بعد المحنة).
7- إن من أكثر الصحابة الذين تعرضوا لمحنة الأذى والفتنة بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- نظرًا لصحبته الخاصة له، والتصاقه به في المواطن التي كان يتعرض فيها للأذى من قومه، فينبري الصديق مدافعًا عنه وفاديًا إياه بنفسه، فيصيبه من أذى القوم وسفههم، هذا مع أن الصديق يعتبر من كبار رجال قريش المعروفين بالعقل والإحسان.


رابعًا: دفاعه عن النبي -صلى الله عليه وسلم-:


من صفات الصديق التي تميز بها الجرأة والشجاعة، فقد كان لا يهاب أحدًا في الحق، ولا تأخذه لومة لائم في نصرة دين الله والعمل له والدفاع عن رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فعن عروة بن الزبير قال: سألت ابن عمرو بن العاص بأن يخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: بينما النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي في حجر الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبيه ودفعه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: +أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ" [غافر: 28]، وفي رواية أنس -رضي الله عنه- أنه قال: لقد ضربوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مرة حتى غشي عليه، فقام أبو بكر -رضي الله عنه- فجعل ينادي: ويلكم، أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟! وفي حديث أسماء: فأتى الصريخ إلى أبي بكر، فقال: أدرك صاحبك، قالت: فخرج من عندنا وله غدائر أربع وهو يقول: ويلكم، أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله، فلهوا عنه وأقبلوا على أبي بكر، فرجع إلينا أبو بكر فجعل لا يمس شيئا من غدائره إلا رجع معه.
وأما في حديث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فقد قام خطيبًا وقال: يا أيها الناس، من أشجع الناس؟ فقالوا: أنت يا أمير المؤمنين، فقال: أما إني ما بارزني أحد إلا انتصفت منه، ولكن هو أبو بكر، وإنا جعلنا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- عريشًا فقلنا: من يكون مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لئلا يهوي عليه أحد من المشركين؟ فوالله ما دنا منه أحد إلا أبو بكر شاهرًا بالسيف على رأس رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لا يهوي إليه أحد إلا أهوى إليه فهذا أشجع الناس. قال: ولقد رأيت رسول الله وأخذته قريش، فهذا يحادَّه، وهذا يتلتله ويقولون: أنت جعلت الآلهة إلهًا واحدًا، فوالله ما دنا منه أحد إلا أبو بكر يضرب ويجاهد هذا ويتلتل هذا، وهو يقول: ويلكم، أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله، ثم رفع على بردة كانت عليه فبكى حتى اخضلت لحيته، ثم قال: أنشدكم الله أمؤمن آل فرعون خير أم هو؟ فسكت القوم، فقال علي: فوالله لساعة من أبي بكر خير من ملء الأرض من مؤمن آل فرعون، ذاك رجل يكتم إيمانه، وهذا رجل أعلن إيمانه .
هذه صورة مشرقة تبين طبيعة الصراع بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والإيمان والكفر، وتوضح ما تحمَّله الصديق من الألم والعذاب في سبيل الله تعالى،كما تعطي ملامح واضحة عن شخصيته الفذة، وشجاعته النادرة التي شهد له بها الإمام علي -رضي الله عنه- في خلافته، أي بعد عقود من الزمن، وقد تأثر علي -رضي الله عنه- حتى بكى وأبكى.
إن الصديق -رضي الله عنه- أول من أوذي في سبيل الله بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأول من دافع عن رسول الله، وأول من دعا إلى الله ، وكان الذراع اليمنى لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وتفرغ للدعوة وملازمة رسول الله وإعانته على من يدخلون الدعوة في تربيتهم وتعليمهم وإكرامهم؛ فهذا أبو ذر -رضي الله عنه- يقص لنا حديثه عن إسلامه، ففيه: «... فقال أبو بكر: ائذن لي يا رسول الله في طعامه الليلة، وأنه أطعمه من زبيب الطائف».
وهكذا كان الصديق في وقوفه مع رسول الله يستهين بالخطر على نفسه، ولا يستهين بخطر يصيب النبي -صلى الله عليه وسلم- قل أو كثر حيثما رآه واستطاع أن يذود عنه العادين عليه، وإنه ليراهم آخذين بتلابيبه فيدخل بينهم وبينه، وهو يصيح بهم: «ويلكم، أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟
» فينصرفون عن النبي وينحون عليه يضربونه، يجذبونه من شعره فلا يدعونه إلا وهو صديع».



الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://dynastywarriors.yoo7.com/profile.forum
داندونه
Marquis
Marquis


انثى عدد الرسائل : 1452
العمر : 22
الدولة : kingdom of saudia arabia
أفضل مملكة : Wei
تاريخ التسجيل : 05/12/2011

مُساهمةموضوع: رد: سيرة أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-   الأحد 24 يونيو 2012, 4:17 pm

روعه روعه
باقي شي ولا خلاص
لانها ممتعه صراحه ماتمل منها
انا قريتها مرتين تهبل
الله يسلم قلبك ويجزاك الجنه
على الموضوع اللي اعتبره احلا موضوع
في الشهر هذا كلله
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://dandunah.tumblr.com/
The Stranger
Marquis
Marquis


ذكر عدد الرسائل : 3357
العمر : 22
الدولة : في عآلم الغربه...
أفضل مملكة : Shu
تاريخ التسجيل : 14/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: سيرة أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-   الأحد 24 يونيو 2012, 6:07 pm

صراحة ذي ولا شيء من الي موجود عندي ^^"..



انا اخبرك بتقسيمته هي 4 فصول



الفصل الأول: 5 مباحث

الفصل الثاني: مبحثين

الفصل الثالث: 5 مباحث

الفصل الرابع: 4 مباحث



واحنا باقي ما خلصنا المبحث الثاني بالفصل الأول يعني هذه بس 5% من السيرة تقريباً.. ان شاء الله انزل جزء كبير المرة الجاية..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://dynastywarriors.yoo7.com/profile.forum
The Stranger
Marquis
Marquis


ذكر عدد الرسائل : 3357
العمر : 22
الدولة : في عآلم الغربه...
أفضل مملكة : Shu
تاريخ التسجيل : 14/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: سيرة أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-   الإثنين 25 يونيو 2012, 11:19 pm



بما إني مسافر اليوم ان شاء الله بحاول اضع جزء كبير ما اعرف ان قد بدخل وانا مسافر او لا...

=================================

ثالثًا: ابتلاؤه:
إن سنة الابتلاء ماضية في الأفراد والجماعات والشعوب والأمم والدول، وقد مضت هذه السنة في الصحابة الكرام، وتحملوا -رضوان الله عليهم- من البلاء ما تنوء به الرواسي الشامخات، وبذلوا أموالهم ودماءهم في سبيل الله، وبلغ بهم الجهد ما شاء الله أن يبلغ، ولم يسلم أشراف المسلمين من هذا الابتلاء، فلقد أوذي أبو بكر -رضي الله عنه- وحثي على رأسه التراب، وضُرِبَ في المسجد الحرام بالنعال، حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وحمل إلى بيته في ثوبه وهو ما بين الحياة والموت، فقد روت عائشة -رضي الله تعالى عنها- أنه لما اجتمع أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وكانوا ثمانية وثلاثين رجلاً ألح أبو بكر -رضي الله عنه- على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الظهور، فقال: يا أبا بكر إنا قليل، فلم يزل أبو بكر يلح حتى ظهر رسول الله، وتفرق المسلمون في نواحي المسجد كلُّ رجل في عشيرته، وقام أبو بكر في الناس خطيبًا ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- جالس، فكان أول خطيب دعا إلى الله تعالى وإلى رسوله -صلى الله عليه وسلم-، وثار المشركون على أبي بكر وعلى المسلمين، فضربوه في نواحي المسجد ضربًا شديدًا، ووُطِئ أبو بكر وضرب ضربًا شديدًا، ودنا منه الفاسق عتبة بن ربيعة فجعل يضربه بنعلين مخصوفتين ويُحرفهما لوجهه، ونزا على بطن أبي بكر -رضي الله عنه-، حتى ما يعرف وجهه من أنفه، وجاءت بنو تيم يتعادون، فأجْلَتِ المشركين عن أبي بكر، وحملت بنو تيم أبا بكر في ثوب حتى أدخلوه منزله ولا يشكون في موته، ثم رجعت بنو تيم فدخلوا المسجد وقالوا: والله لئن مات أبو بكر لنقتلن عتبة بن ربيعة، فرجعوا إلى أبي بكر فجعل أبو قحافة «والده» وبنو تيم يكلمون أبا بكر حتى أجاب، فتكلم آخر النهار فقال: ما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فمسوا منه بألسنتهم وعذلوه، وقالوا لأمه أم الخير: انظري أن تطعميه شيئًا أو تسقيه إياه، فلما خلت به ألحت عليه، وجعل يقول: ما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ فقالت: والله ما لي علم بصاحبك، فقال: اذهبي إلى أم جميل بنت الخطاب فاسأليها عنه، فخرجت حتى جاءت أم جميل، فقالت: إن أبا بكر يسألك عن محمد بن عبد الله، فقالت: ما أعرف أبا بكر ولا محمد بن عبد الله، وإن كنت تحبين أن أذهب معك إلى ابنك؟ قالت: نعم، فمضت معها حتى وجدت أبا بكر صريعًا دنفًا، فدنت أم جميل، وأعلنت بالصياح وقالت: والله إن قومًا نالوا منك لأهل فسق وكفر، إنني لأرجو أن ينتقم الهل لك منهم، قال: فما فعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قالت: هذه أمك تسمع، قال: فلا شيء عليك منها، قالت: سَالِم صَالِح، قال: أين هو؟ قالت: في دار الأرقم، قال: فإن لله عليَّ أن لا أذوق طعاما ولا أشرب شرابا أو آتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأمهلتا حتى إذا هدأت الرِّجْلُ وسكن الناس، خرجتا به يتكئ عليهما، حتى أدخلتاه على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: فأكب عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقبَّله، وأكب عليه المسلمون، ورقَّ له رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رقة شديدة، فقال أبو بكر: بأبي وأمي يا رسول الله، ليس بي بأس إلا ما نال الفاسق من وجهي، وهذه أمي برة بولدها وأنت مبارك فادعها إلى الله، وادع الله لها عسى الله أن يستنقذها بك من النار، قال: فدعا لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ودعاها إلى الله فأسلمت .




رابعًا: دفاعه عن النبي -صلى الله عليه وسلم-:
من صفات الصديق التي تميز بها الجرأة والشجاعة، فقد كان لا يهاب أحدًا في الحق، ولا تأخذه لومة لائم في نصرة دين الله والعمل له والدفاع عن رسوله -صلى الله عليه وسلم-، فعن عروة بن الزبير قال: سألت ابن عمرو بن العاص بأن يخبرني بأشد شيء صنعه المشركون بالنبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: بينما النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي في حجر الكعبة، إذ أقبل عقبة بن أبي معيط فوضع ثوبه في عنقه فخنقه خنقًا شديدًا، فأقبل أبو بكر حتى أخذ بمنكبيه ودفعه عن النبي -صلى الله عليه وسلم- وقال: +أَتَقْتُلُونَ رَجُلا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللهُ" [غافر: 28]، وفي رواية أنس -رضي الله عنه- أنه قال: لقد ضربوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- مرة حتى غشي عليه، فقام أبو بكر -رضي الله عنه- فجعل ينادي: ويلكم، أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟! وفي حديث أسماء: فأتى الصريخ إلى أبي بكر، فقال: أدرك صاحبك، قالت: فخرج من عندنا وله غدائر أربع وهو يقول: ويلكم، أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله، فلهوا عنه وأقبلوا على أبي بكر، فرجع إلينا أبو بكر فجعل لا يمس شيئا من غدائره إلا رجع معه.
وأما في حديث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- فقد قام خطيبًا وقال: يا أيها الناس، من أشجع الناس؟ فقالوا: أنت يا أمير المؤمنين، فقال: أما إني ما بارزني أحد إلا انتصفت منه، ولكن هو أبو بكر، وإنا جعلنا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- عريشًا فقلنا: من يكون مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لئلا يهوي عليه أحد من المشركين؟ فوالله ما دنا منه أحد إلا أبو بكر شاهرًا بالسيف على رأس رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لا يهوي إليه أحد إلا أهوى إليه فهذا أشجع الناس. قال: ولقد رأيت رسول الله وأخذته قريش، فهذا يحادَّه، وهذا يتلتله ويقولون: أنت جعلت الآلهة إلهًا واحدًا، فوالله ما دنا منه أحد إلا أبو بكر يضرب ويجاهد هذا ويتلتل هذا، وهو يقول: ويلكم، أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله، ثم رفع على بردة كانت عليه فبكى حتى اخضلت لحيته، ثم قال: أنشدكم الله أمؤمن آل فرعون خير أم هو؟ فسكت القوم، فقال علي: فوالله لساعة من أبي بكر خير من ملء الأرض من مؤمن آل فرعون، ذاك رجل يكتم إيمانه، وهذا رجل أعلن إيمانه .
هذه صورة مشرقة تبين طبيعة الصراع بين الحق والباطل، والهدى والضلال، والإيمان والكفر، وتوضح ما تحمَّله الصديق من الألم والعذاب في سبيل الله تعالى،كما تعطي ملامح واضحة عن شخصيته الفذة، وشجاعته النادرة التي شهد له بها الإمام علي -رضي الله عنه- في خلافته، أي بعد عقود من الزمن، وقد تأثر علي -رضي الله عنه- حتى بكى وأبكى.
إن الصديق -رضي الله عنه- أول من أوذي في سبيل الله بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأول من دافع عن رسول الله، وأول من دعا إلى الله ، وكان الذراع اليمنى لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وتفرغ للدعوة وملازمة رسول الله وإعانته على من يدخلون الدعوة في تربيتهم وتعليمهم وإكرامهم؛ فهذا أبو ذر -رضي الله عنه- يقص لنا حديثه عن إسلامه، ففيه: «... فقال أبو بكر: ائذن لي يا رسول الله في طعامه الليلة، وأنه أطعمه من زبيب الطائف».وهكذا كان الصديق في وقوفه مع رسول الله يستهين بالخطر على نفسه، ولا يستهين بخطر يصيب النبي -صلى الله عليه وسلم- قل أو كثر حيثما رآه واستطاع أن يذود عنه العادين عليه، وإنه ليراهم آخذين بتلابيبه فيدخل بينهم وبينه، وهو يصيح بهم: «ويلكم، أتقتلون رجلا أن يقول ربي الله؟» فينصرفون عن النبي وينحون عليه يضربونه، يجذبونه من شعره فلا يدعونه إلا وهو صديع».



خامسًا: إنفاقه الأموال لتحرير المعذبين في الله:
تضاعف أذى المشركين لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولأصحابه مع انتشار الدعوة في المجتمع المكي الجاهلي، حتى وصل إلى ذروة العنف وخاصة في معاملة المستضعفين من المسلمين، فنكلت بهم لتفتنهم عن عقيدتهم وإسلامهم، ولتجعلهم عبرة لغيرهم، ولتنفس عن حقدها وغضبها بما تصبه عليهم من العذاب. وقد تعرض بلال -رضي الله عنه- لعذاب عظيم، ولم يكن لبلال -رضي الله عنه- ظهر يسنده، ولا عشيرة تحميه، ولا سيوف تذود عنه، ومثل هذا الإنسان في المجتمع الجاهلي المكي يعادل رقمًا من الأرقام، فليس له دور في الحياة إلا أن يخدم ويطيع ويباع ويشترى كالسائمة، أما أن يكون له رأي أو يكون صاحب فكر، أو صاحب دعوة أو صاحب قضية، فهذه جريمة شنعاء في المجتمع الجاهلي المكي تهز أركانه، وتزلزل أقدامه، ولكن الدعوة الجديدة التي سارع لها الفتيان وهم يتحدون تقاليد وأعراف آبائهم الكبار لامست قلب هذا العبد المرمي المنسي، فأخرجته إنسانًا جديدًا في الحياة ، قد تفجرت معاني الإيمان في أعماقه بعد أن آمن بهذا الدين وانضم إلى محمد -صلى الله عليه وسلم- وإخوانه في موكب الإيمان العظيم.
وعندما علم سيده أمية بن خلف، راح يهدده تارة ويغريه أطوارا، فما وجد عند بلال غير العزيمة وعدم الاستعداد للعودة إلى الوراء.. إلى الكفر والجاهلية والضلال، فحنق عليه أمية وقرر أن يعذبه عذابًا شديدًا، فأخرجه إلى شمس الظهيرة في الصحراء بعد أن منع عنه الطعام والشراب يومًا وليلة، ثم ألقاه على ظهره فوق الرمال المحرقة الملتهبة، ثم أمر غلمانه فحملوا صخرة عظيمة وضعوها فوق صدر بلال وهو مقيد اليدين، ثم قال له: لا تزال هكذا حتى تموت أو تكفر بمحمد وتعبد اللات والعزى، وأجاب بلال بكل صبر وثبات: أحد أحد، وبقي أمية بن خلف مدة وهو يعذب بلالاً بتلك الطريقة البشعة ، فقصد الصديق موقع التعذيب وفاوض أمية بن خلف وقال له: «ألا تتقي الله في هذا المسكين؟ حتى متى؟! قال: أنت أفسدته فأنقذه مما ترى، فقال أبو بكر: أفعل، عندي غلام أسود أجلد منه وأقوى على دينك أعطيكه به، قال: قد قبلت، فقال: هو لك، فأعطاه أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- غلامه ذلك وأخذه فأعتقه». وفي رواية: اشتراه بسبع أواق أو بأربعين أوقية ذهبًا .
ما أصبر بلالا وما أصلبه -رضي الله عنه-! فقد كان صادق الإسلام، طاهر القلب، ولذلك صَلُب ولم تلن قناته أمام التحديات وأمام صنوف العذاب، وكان صبره وثباته مما يغيظهم ويزيد حنقهم، خاصة أنه كان الرجل الوحيد من ضعفاء المسلمين الذي ثبت على الإسلام فلم يوات الكفار فيما يريدون، مرددا كلمة التوحيد بتحدٍّ صارخ، وهانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه. وبعد كل محنة منحة؛ فقد تخلص بلال من العذاب والنكال، وتخلص من أسر العبودية، وعاش مع رسول الله بقية حياته ملازمًا له، ومات راضيًا عنه.
واستمر الصديق في سياسة فك رقاب المسلمين المعذبين، وأصبح هذا المنهج من ضمن الخطة التي تبنتها القيادة الإسلامية لمقاومة التعذيب الذي نزل بالمستضعفين، فدعَّم الدعوة بالمال والرجال والأفراد، فراح يشتري العبيد والإماء والمملوكين من المؤمنين والمؤمنات، منهم: عامر بن فهيرة, شهد بدرا وأحدا، وقتل يوم بئر معونة شهيدا. وأم عبيس، وزنيرة، وأصيب بصرها حين أعتقها، فقالت قريش: ما أذهب بصرها إلا اللات والعزى، فقالت: كذبوا، وبيت الله ما تضر اللات والعزى وما تنفعان، فرد الله بصرها. وأعتق النهدية وبنتها، وكانتا لامرأة من بني عبد الدار، مر بهما وقد بعثتهما سيدتهما بطحين لها، وهي تقول: لا أعتقكما أبدًا، فقال أبو بكر -رضي الله عنه- : حل يا أم فلان. فقالت: حل أنت، أفسدتهما فأعتقهما، قال: فبكم هما؟ قالت: بكذا وكذا، وقالت: قد أخذتهما وهما حرتان، أرجعا إليها طحينها، قالتا: أو نفرغ منه يا أبا بكر ثم نرده إليها؟ قال: وذلك إن شئتما .
وهنا وقفة تأمل ترينا كيف سوى الإسلام بين الصديق والجاريتين حتى خاطبتاه خطاب الند للند، لا خطاب المسود للسيد، وتقبل الصديق -على شرفه وجلالته في الجاهلية والإسلام- منهما ذلك، مع أن له يدا عليهما بالعتق، وكيف صقل الإسلام الجاريتين حتى تخلقتا بهذا الخلق الكريم، وكان يمكنهما وقد أعتقتا وتحررتا من الظلم أن تدعا لها طحينها يذهب أدراج الرياح، أو يأكله الحيوان والطير، ولكنهما أبتا –تفضُّلا- إلا أن تفرغا منه، وترداه إليها .
ومر الصديق بجارية بني مؤمَّل (حي من بني عدي بن كعب) وكانت مسلمة، وعمر بن الخطاب يعذبها لتترك الإسلام، وهو يومئذ مشرك يضربها، حتى إذا ملَّ قال: إني أعتذر إليك، إني لم أتركك إلا عن ملالة، فتقول: كذلك فعل الله بك، فابتاعها أبو بكر فأعتقها .
هكذا كان واهب الحريات، ومحرر العبيد، شيخ الإسلام الوقور، الذي عُرِفَ في قومه بأنه يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق، ولم ينغمس في إثم في جاهليته، أليف مألوف، يسيل قلبه رقة ورحمة على الضعفاء والأرقاء، أنفق جزءًا كبيرًا من ماله في شراء العبيد، وعتقهم لله وفي الله قبل أن تنزل التشريعات الإسلامية المحببة في العتق والواعدة عليه أجزل الثواب .
كان المجتمع المكي يتندر بأبي بكر -رضي الله عنه- الذي يبذل هذا المال كله لهؤلاء المستضعفين، أما في نظر الصديق فهؤلاء إخوانه في الدين الجديد، فكل واحد من هؤلاء لا يساويه عنده مشركو الأرض وطغاتها، وبهذه العناصر وغيرها تبني دولة التوحيد، وتصنع حضارة الإسلام الرائعة. ولم يكن الصديق يقصد بعمله هذا محمدة ولا جاهًا، ولا دنيا، وإنما كان يريد وجه الله ذا الجلال والإكرام. لقد قال له أبوه ذات يوم: يا بني، إني أراك تعتق رقابًا ضعافًا، فلو أنك إذا فعلت أعتقت رجالاً جلدًا يمنعونك ويقومون دونك؟ فقال أبو بكر -رضي الله عنه-: يا أبت، إني إنما أريد ما أريد لله عز وجل. فلا عجب إذا كان الله سبحانه أنزل في شأن الصديق قرآنا يتلى إلى يوم القيامة، قال تعالى: +فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى  وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى  فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى  وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى  وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى  فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى  وَمَا يُغْنِي عَنْهُ مَالُهُ إِذَا تَرَدَّى  إِنَّ عَلَيْنَا لَلْهُدَى  وَإِنَّ لَنَا لَلآَخِرَةَ وَالأُولَى  فَأَنْذَرْتُكُمْ نَارًا تَلَظَّى  لاَ يَصْلاَهَا إِلاَّ الأشْقَى  الَّذِي كَذَّبَ وَتَوَلَّى  وَسَيُجَنَّبُهَا الأتْقَى  الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى  وَمَا لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى  إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى  وَلَسَوْفَ يَرْضَى"[الليل: 5 – 21].
لقد كان الصديق من أعظم الناس إنفاقا لماله فيما يرضي الله ورسوله.
كان هذا التكافل بين أفراد الجماعة الإسلامية الأولى قمة من قمم الخير والعطاء، وأصبح هؤلاء العبيد بالإسلام أصحاب عقيدة وفكرة يناقشون بها وينافحون عنها، ويجاهدون في سبيلها، وكان إقدام أبي بكر -رضي الله عنه- على شرائهم ثم عتقهم دليلاً على عظمة هذا الدين ومدى تغلغله في نفسية الصديق -رضي الله عنه-، وما أحوج المسلمين اليوم إلى أن يحيوا هذا المثل الرفيع، والمشاعر السامية؛ ليتم التلاحم والتعايش والتعاضد بين أبناء الأمة التي يتعرض أبناؤها للإبادة الشاملة من قِبَل أعداء العقيدة والدين.
سادسًا: هجرته الأولى وموقف ابن الدغنة منها:
قالت عائشة -رضي الله عنها-: لم أعقل أبوي قط إلا وهما يدينان الدين، ولم يمر علينا يوم إلا يأتينا فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- طرفي النهار (بكرة وعشية)، فلما ابتلي المسلمون، خرج أبو بكر مهاجرًا نحو أرض الحبشة حتى برك الغماد لقيه ابن الدغنة وهو سيد القارة فقال: أين تريد يا أبا بكر؟ فقال أبو بكر: أخرجني قومي فأريد أن أسيح في الأرض وأعبد ربي، قال ابن الدغنة: فإن مثلك يا أبا بكر لا يخرج ولا يُخرج؛ إنك تكسب المعدوم، وتصل الرحم، وتحمل الكل، وتقري الضيف، وتُعين على نوائب الحق. فأنا لك جار، ارجع واعبد ربك ببلدك، فرجع وارتحل معه ابن الدغنة، فطاف ابن الدغنة عشية في أشراف قريش، فقال لهم: إن أبا بكر لا يخرج مثله ولا يُخرج، أتخرجون رجلا يكسب المعدوم، ويصل الرحم، ويحمل الكل، ويقري الضيف، ويعين على نوائب الحق؟ فلم تكذب قريش بجوار ابن الدغنة، وقالوا لابن الدغنة: مر أبا بكر فليعبد ربه في داره، فليصُلِّ فيها وليقرأ ما شاء، ولا يؤذينا بذلك ولا يَسْتَعْلِن به، فإنا نخشى أن يفتن نساءنا وأبناءنا، فقال ذلك ابن الدغنة لأبي بكر، فلبث أبو بكر بذلك يعبد ربه في داره، ولا يستعلن بصلاته ولا يقرأ في غير داره، ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره، وكان يصلي فيه ويقرأ القرآن، فيتقذف عليه نساء المشركين وأبناؤهم، وهم يعجبون منه وينظرون إليه.
وكان أبو بكر رجلا بكَّاء لا يملك عينه إذا قرأ القرآن، فأفزع ذلك أشراف قريش من المشركين، فأرسلوا إلى ابن الدغنة، فقدم عليهم فقالوا: إنا كنا أجرنا أبا بكر بجوارك على أن يعبد ربه في داره، فقد جاوز ذلك فابتنى مسجدًا بفناء داره، فأعلن بالصلاة والقراءة فيه، وإنا قد خشينا أن يفتن نساءنا وأبناءنا فانهه، فإن أحب أن يقتصر على أن يعبد ربه في داره فعل، وإن أبى إلا أن يعلن بذلك فسله أن يرد إليك ذمته، فإنا قد كرهنا أن نُخْفِرك، ولسنا بمقرين لأبي بكر الاستعلان، قالت عائشة: فأتى ابن الدغنة إلى أبي بكر فقال: قد علمت الذي عاقدت لك عليه، فإما أن تقتصر على ذلك وإما أن ترجع إليَّ ذمتي، فإني لا أحب أن تسمع العرب أني أخفرت في رجل عقدت له، فقال أبو بكر: فإني أرد إليك جوارك، وأرضى بجوار الله عز وجل. وحين خرج من جوار ابن الدغنة (يعني أبو بكر) لقيه سفيه من سفهاء قريش وهو عامد إلى الكعبة فحثا على رأسه ترابًا، فمر بأبي بكر الوليدُ بن المغيرة أو العاص بن وائل فقال له أبو بكر -رضي الله عنه-: ألا ترى ما يصنع هذا السفيه؟ فقال: أنت فعلت ذلك بنفسك، وهو يقول: ربي ما أحلمك، أي ربي ما أحلمك، أي ربي ما أحلمك. وكان الصديق يتأثر بالقرآن الكريم ويبكي عند تلاوته، وهذا يدل على رسوخ يقينه وقوة حضور قلبه مع الله عز وجل، ومع معاني الآيات التي يتلوها، والبكاء مبعثه قوة التأثر؛ إما بحزن شديد أو فرح غامر، والمؤمن الحق يظل بين الفرح بهداية الله تعالى إلى الصراط المستقيم، والإشفاق من الانحراف قليلاً عن هذا الصراط. وإذا كان صاحب إحساس حي وفكر يقظ كأبي بكر -رضي الله عنه- فإن هذا القرآن يذكر بالحياة الآخرة وما فيها من حساب وعقاب أو ثواب، فيظهر أثر ذلك في خشوع الجسم وانسكاب العَبَرَات، وهذا المظهر يؤثر كثيرًا على من شاهده، ولذلك فزع المشركون من مظهر أبي بكر المؤثر وخشوا على نسائهم وأبنائهم أن يتأثروا به فيدخلوا في الإسلام .

لقد تربى الصديق على يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وحفظ كتاب الله تعالى وعمل به في حياته، وتأمل فيه كثيرًا، وكان لا يتحدث بغير علم؛ فعندما سئل عن آية لا يعرفها أجاب بقوله: أي أرض تسعني أو أي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله ما لم يُرد الله.
ومن أقواله التي تدل على تدبره وتفكره في القرآن الكريم قوله: إن الله ذكر أهل الجنة فذكرهم بأحسن أعمالهم وغفر لهم سيئها، فيقول الرجل: أين أنا من هؤلاء؟! يعني: حسنها، فيقول قائل: لست من هؤلاء، يعني وهو منهم .
وكان يسأل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيما استشكل عليه بأدب وتقدير واحترام، فلما نزل قوله تعالى: +لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلاَ أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءً يُجْزَ بِهِ وَلاَ يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللهِ وَلِيًّا
وَلاَ نَصِيرًا" [النساء: 123]، قال أبو بكر: يا رسول الله، قد جاءت قاصمة الظهر، وأيُّنَا لم
يعمل سوءًا؟ فقال: يا أبا بكر، ألست تنصب؟ ألست تحزن؟ ألست تصيبك اللأواء؟ فذلك مما تجزون به .
وقد فسر الصديق بعض الآيات، مثل قول الله تعالى: +إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلاَئِكَةُ أَلاَّ تَخَافُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ" [فصلت: 30]، قال فيها: فلم يلتفتوا عنه يمنة ولا يسرة، فلم يلتفتوا بقلوبهم إلى ما سواه لا بالحب ولا بالخوف، ولا بالرجاء ولا بالسؤال ولا بالتوكل عليه؛ بل لا يحبون إلا الله ولا يحبون معه أندادًا، ولا يحبون إلا إياه؛ لا لطلب منفعة، ولا لدفع مضرة، ولا يخافون غيره كائنًا من كان، ولا يسألون غيره، ولا يتشرفون بقلوبهم إلى غيره. وغير ذلك من الآيات.
إن الدعاة إلى الله عليهم أن يكونوا في صحبة مستمرة للقرآن الكريم، يقرأونه ويتدبرونه ويستخرجون كنوزه ومعارفه للناس، وأن يُظْهروا للناس ما في القرآن من إعجاز بياني وعلمي وتشريعي، وما فيه من سبل إنقاذ الإنسانية المعذبة من مآسيها وحروبها، بأسلوب يناسب العصر، ويكافئ ما وصل إليه الناس من تقدم في وسائل الدعوة والدعاية. ولقد أدرك أبو بكر -رضي الله عنه- كيف تكون قراءة القرآن الكريم في المسجد على ملأ من قريش وسيلة مؤثرة من وسائل الدعوة إلى الله .



سابعًا: بين قبائل العرب في الأسواق:
قد علمنا أن الصديق -رضي الله عنه- كان عالمًا بالأنساب وله فيها الباع الطويل؛ قال السيوطي -رحمه الله تعالى-: رأيت بخط الحافظ الذهبي -رحمه الله- من كان فرد زمانه في فنه... أبو بكر في النسب. ولذلك استخدم الصديق هذا العلم الفياض وسيلة من وسائل الدعوة؛ ليعلم كل ذي خبرة كيف يستطيع أن يسخِّرَ ذلك في سبيل الله على اختلاف التخصصات، وألوان المعرفة، سواء كان علمه نظريًا أو تجريبيًا، أو كان ذا مهنة مهمة في حياة الناس.
وسوف نرى الصديق يصحبه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عندما عرض نفسه على قبائل العرب ودعاهم إلى الله، كيف وظف هذا العلم لدعوة الله؛ فقد كان الصديق خطيبًا مفوهًا له القدرة على توصيل المعاني بأحسن الألفاظ، وكان -رضي الله عنه- يخطب عن النبي -صلى الله عليه وسلم- في حضوره وغيبته، فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا خرج في الموسم يدعو (أي أبو بكر) الناس إلى متابعة كلامه تمهيدًا وتوطئة لما يبلغ الرسول، معونة له، لا تقدمًا بين يدي الله ورسوله. وكان علمه في النسب ومعرفة أصول القبائل مساعدًا له على التعامل معها، فعن علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- قال: لما أمر الله -عز وجل- نبيه -صلى الله عليه وسلم أن يعرض نفسه على قبائل العرب خرج وأنا معه... إلى أن قال: ثم دفعنا إلى مجلس آخر عليه السكينة والوقار، فتقدم أبو بكر فسلم، فقال: من القوم؟ قالوا: من بني شيبان بن ثعلبة، فالتفت أبو بكر إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقال: بأبي أنت وأمي، ليس وراء هؤلاء عذر من قومهم وهؤلاء غرر الناس وفيهم مفروق بن عمرو، وهانئ بن قبيصة، والمثنى بن حارثة والنعمان بن شريك، وكان مفروق بن عمرو قد غلبهم لسانًا وجمالاً، وكان له غديرتان تسقطان على تريبته، وكان أدنى القوم مجلسًا من أبي بكر، فقال أبو بكر: كيف العدد فيكم؟ فقال مفروق: إنا لا نزيد على الألف ولن تغلب الألف من قلة، فقال أبو بكر: وكيف المنعة فيكم، فقال مفروق: إنا لأشد ما نكون غضبًا حين نلقى، وأشد ما نكون لقاء حين نغضب، وإنا لنؤثر الجياد على الأولاد والسلاح على اللقاح، والنصر من عند الله يديلنا مرة ويديل علينا أخرى. لعلك أخو قريش؟ فقال أبو بكر: إن كان بلغكم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فها هو ذا، فقال مفروق: إلام تدعونا يا أخا قريش؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- : «أدعوكم إلى شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأني عبد الله ورسوله، وإلى أن تؤووني وتنصروني، فإن قريشًا قد تظاهرت على الله وكذبت رسوله واستغنت بالباطل عن الحق، والله هو الغني الحميد».
فقال مفروق: وإلام تدعو أيضا يا أخا قريش، فوالله ما سمعت كلامًا أحسن من هذا؟ فتلا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قوله تعالى: +قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُم مِّنْ إِمْلاَقٍ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلاَ تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلاَ تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ" [الأنعام: 151]، فقال مفروق: دعوت والله إلى مكارم الأخلاق ومحاسن الأعمال، ولقد أفك قوم كذبوك وظاهروا عليك، ثم رد الأمر إلى هانئ بن قبيصة فقال: وهذا هانئ شيخنا وصاحب ديننا، فقال هانئ: قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، وإني أرى أن تَرْكَنَا ديننا واتباعنا دينك لمجلس جلسته إلينا ليس له أول ولا آخر لذل في الرأي وقلة نظر في العاقبة، إن الزلة مع العجلة وإنا نكره أن نعقد على من وراءنا عقدًا، ولكن نرجع وترجع وننظر.. ثم كأنه أحب أن يشركه المثنى بن حارثة فقال: وهذا المثنى شيخنا وصاحب حربنا، فقال المثنى (وأسلم بعد ذلك): قد سمعت مقالتك يا أخا قريش، والجواب فيه جواب هانئ بن قبيصة في تركنا ديننا ومتابعتنا دينك، وإنا إنما نزلنا بين صيرين أحدهما اليمامة والأخرى السمامة، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «وما هذا الصيران؟» فقال له: أما أحدهما فطفوف البر وأرض العرب، وأما الآخر فأرض فارس وأنهار كسرى، وإنما نزلنا على عهد أخذه علينا كسرى أن لا نحدث حدثًا، ولا نؤوي محدثا، ولعل هذا الأمر الذي تدعونا إليه مما تكرهه الملوك، فأما ما كان مما يلي بلاد العرب فذنب صاحبه مغفور وعذره مقبول، وأما ما كان يلي بلاد فارس فذنب صاحبه غير مغفور وعذره غير مقبول، فإن أردت أن ننصرك مما يلي العرب فعلنا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما أسأتم في الرد؛ إذ أفصحتم بالصدق، وإن دين الله -عز وجل- لن ينصره إلا من حاطه من جميع جوانبه. أرأيتم إن لم تلبثوا إلا قليلاً حتى يورثكم الله تعالى أرضهم وديارهم ويفرشكم نساءهم، أتسبحون الله وتقدسونه؟». فقال له النعمان بن شريك: اللهم فَلَكَ ذاك -.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://dynastywarriors.yoo7.com/profile.forum
The Stranger
Marquis
Marquis


ذكر عدد الرسائل : 3357
العمر : 22
الدولة : في عآلم الغربه...
أفضل مملكة : Shu
تاريخ التسجيل : 14/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: سيرة أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-   الإثنين 25 يونيو 2012, 11:44 pm



المبحث الثالث

هجرته مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى المدينة

تمهيد:
اشتدت قريش في أذى المسلمين والنيل منهم؛ فمنهم من هاجر إلى الحبشة مرة أو مرتين فرارًا بدينه، ثم كانت الهجرة إلى المدينة. ومن المعلوم أن أبا بكر استأذن النبي -صلى الله عليه وسلم- في الهجرة فقال له: «لا تعجل، لعل الله يجعل لك صاحبًا» فكان أبو بكر يطمع أن يكون في صحبة
النبي -صلى الله عليه وسم-. وهذه السيدة عائشة -رضي الله عنها- تحدثنا عن هجرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبيها -رضي الله عنه- حيث قالت: كان لا يخطئ رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أن يأتي بيت أبي بكر أحد طرفي النهار، إما بكرة وإما عشية، حتى إذا كان اليوم الذي أذن فيه لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الهجرة، والخروج من مكة من بين ظهري قومه، أتانا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالهاجرة ، في ساعة كان لا يأتي فيها، قالت: فلما رآه أبو بكر، قال: ما جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هذه الساعة إلا لأمر حدث، قالت: فلما دخل تأخر له أبو بكر عن سريره فجلس رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وليس عند أبي بكر إلا أنا وأختي أسماء بنت أبي بكر، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أخرج عني من عندك»، فقال: يا رسول الله، إنما هما ابنتاي، وما ذاك فداك أبي وأمي! فقال: «أنه قد أذن لي في الخروج والهجرة» ، قلت: فقال أبو بكر: الصحبة يا رسول الله؟ قال: «الصحبة» ، قالت فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أحدًا يبكي من الفرح، حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ، ثم قال: يا نبي الله، إن هاتين راحلتان قد كنت أعددتهما لهذا، فاستأجرا عبد الله بن أريقط, رجلاً من بني الديل بن بكر، وكانت أمه امرأة من بني سهم بن عمرو، وكان مشركًا يدلهما على الطريق، فدفعا إليه راحلتيهما فكانتا عنده يرعاهما لميعادهما .
وجاء في رواية البخاري عن عائشة في حديث طويل تفاصيل مهمة، وفي ذلك الحديث:... قالت عائشة: فبينما نحن يومًا جلوسًا في بيت أبي بكر في نحر الظهيرة، قال قائل لأبي بكر: هذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- متقنعًا ، في ساعة لم يكن يأتينا فيها، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر: «أخرج مَنْ عندك» فقال أبو بكر: إنما هم أهلك، فقال: «فإني قد أذن لي في الخروج» ، فقال أبو بكر: الصحبة بأبي أنت يا رسول الله! قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «نعم» ، قال أبو بكر: فخذ بأبي أنت يا رسول الله إحدى راحلتي هاتين، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «بالثمن» ، قالت عائشة: فجهزناهما أحسن الجهاز، ووضعنا لهم سفرة في جراب، فقطعت أسماء بنت أبي بكر قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فبذلك سميت ذات النطاقين، ثم لحق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر بغار في جبل ثور، فكمنا فيه ثلاث ليالي يبيت عندهما عبد الله بن أبي بكر وهو غلام شاب ثقف، لقن ، فيدلج من عندهما بسحر، فيصبح مع قريش بمكة كبائت، فلا يسمع أمرا يكتادان به إلا وعاه حتى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظلام، ويرعى عليهما حيث تذهب ساعة من العشاء، فيبيتان في رسل (وهو لبن منحهم ورضيفهما) ينعق بها عامر بن فهيرة بغلس ، يفعل ذلك في كل ليلة من تلك الليالي الثلاث، واستأجر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر رجلاً من بني الديل وهو من بني عبد ابن عدي هاديا خريتا (والخريت: الماهر)، قد غمس حلفًا في آل العاص بن وائل السهمي، وهو على دين كفار قريش، فأمناه فدفعا إليه راحلتيهما، وواعده غار ثور بعد ثلاث
ليال براحلتيهما صبح ثلاث، وانطلق معهما عامر بن فهيرة والدليل، فأخذ بهم
طريق السواحل.
لم يعلم بخروج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أحد حين خرج إلا علي بن أبي طالب، وأبو بكر الصديق، وآل أبي بكر، وجاء وقت الميعاد بين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر -رضي الله عنه-، فخرجا من خوخة
لأبي بكر في ظهر بيته؛ وذلك للإمعان في الاستخفاء حتى لا تتبعهما قريش وتمنعهما من تلك الرحلة المباركة، وقد اتعدا مع الليل على أن يلقاهما عبد الله بن أريقط في غار ثور بعد ثلاث ليال ، وقد دعا النبي -صلى الله عليه وسلم- عند خروجه من مكة إلى المدينة ، ووقف عند خروجه بالحزورة في سوق مكة وقال: «والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخْرِجْتُ منك ما خرجت» .
ثم انطلق رسول الله وأبو بكر، والمشركون يحاولون أن يقتفوا آثارهم حتى بلغوا الجبل –جبل ثور- اختلط عليهم، فصعدوا الجبل فمروا بالغار، فرأوا على بابه نسيج العنكبوت، فقالوا: لو دخل ها هنا أحد لم يكن نسج العنكبوت على بابه ، وهذه من جنود الله -عز وجل-: +وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلاَّ هُوَ" [المدثر: 31].
وبالرغم من كل الأسباب التي اتخذها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فإنه لم يرتكن إليها مطلقًا، وإنما كان كامل الثقة في الله، عظيم الرجاء في نصره وتأييده، دائم الدعاء بالصيغة التي علمه الله إياها، قال تعالى: +وَقُل رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا" [الإسراء: 80].
وفي هذه الآية الكريمة دعاء يُعلمه الله -عز وجل- لنبيه -صلى الله عليه وسلم- ليدعوه به، ولتتعلم أمته كيف تدعو الله وكيف تتجه إليه، دعاء بصدق المدخل وصدق المخرج، كناية عن صدق الرحلة كلها، بدئها وختامها، أولها وآخرها، وما بين الأول والآخر، وللصدق هنا قيمته بمناسبة ما حاوله المشركون من فتنته عما أنزله الله عليه ليفتري على الله غيره، وللصدق كذلك ظلاله؛ ظلال الثبات والاطمئنان والنظافة والإخلاص: +وَاجْعَل لِّي مِن لَّدُنْكَ سُلْطَانًا نَّصِيرًا"، قوة وهيبة استعلى بهما على سلطان الأرض وقوة المشركين، وكلمة +مِن لَّدُنْكَ" تصور القرب والاتصال بالله والاستمداد من عونه مباشرة واللجوء إلى حِمَاه.
وصاحب الدعوة لا يمكن أن يستمد السلطان إلا من الله، ولا يمكن أن يهاب إلا بسلطان الله، لا يمكن أن يستظل بحاكم أو ذي جاه فينصره ويمنعه ما لم يكن اتجاهه قبل ذلك إلى الله، والدعوة قد تغزو قلوب ذوي السلطان والجاه، فيصبحون لها جندًا وخدمًا فيفلحون، ولكنها هي لا تفلح إن كانت من جند السلطان وخدمه، فهي من أمر الله، وهي أعلى من ذوي السلطان والجاه .
وعندما أحاط المشركون بالغار، وأصبح منهم رأي العين طمأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- الصديق بمعية الله لهما، فعن أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- قال: قلت للنبي -صلى الله عليه وسلم- وأنا في الغار: لو أن أحدهم نظر تحت قدميه لأبصرنا، فقال: «ما ظنك يا أبا بكر باثنين الله ثالثهما؟».
وسجل الحق -عز وجل- ذلك في قوله تعالى: +إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ"[التوبة: 40].
وبعد ثلاث ليال من دخول النبي -صلى الله عليه وسلم- في الغار خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه من الغار، وقد هدأ الطلب، ويئس المشركون من الوصول إلى رسول الله، وقد قلنا: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبا بكر قد استأجرا رجلاً من بني الديل يسمى عبد الله بن أريقط، وكان مشركًا وقد أمناهُ فدفعا إليه راحلتيهما، وواعداه غار ثور بعد ثلاث ليال براحلتيهما، وقد جاءهما فعلاً في الموعد المحدد، وسلك بهما طريقًا غير معهودة ليخفي أمرهما عمن يلحق بهم من كفار قريش.
وفي أثناء الطريق إلى المدينة مرَّ النبي -صلى الله عليه وسلم- بأم معبد في قديد ، حيث مساكن خزاعة، وهي أخت حبيش بن خالد الخزاعي الذي روى قصتها، وهي قصة تناقلها الرواة وأصحاب السير، وقال عنها ابن كثير: «وقصتها مشهورة مروية من طرق يشد بعضها بعضًا» .
وقد أعلنت قريش في نوادي مكة بأنه من يأتي بالنبي -صلى الله عليه وسلم- حيًّا أو ميتًا فله مائة
ناقة، وانتشر هذا الخبر عند قبائل العرب الذين في ضواحي مكة، وطمع سراقة بن
مالك بن جعشم في نيل المكسب الذي أعدته قريش لمن يأتي برسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأجهد نفسه لينال ذلك، ولكن الله بقدرته التي لا يغلبها غالب جعله يرجع مدافعًا عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد أن كان جاهدًا عليه .
ولما سمع المسلمون بالمدينة بمخرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من مكة، كانوا يفدون كل غداة إلى الحرة، فينتظرون حتى يردهم حر الظهيرة، فانقلبوا يومًا بعدما أطالوا انتظارهم فلما أووا إلى بيوتهم أوفى رجل من يهود على أطم من آطامهم لأمر ينظر إليه، فبصر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه مبيضين ، يزول بهم السراب ، فلم يملك اليهودي أن قال بأعلى صوته: يا معشر العرب هذا جدكم الذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح فتلقوا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بظهر الحرة، فعدل بهم ذات اليمين حتى نزل بهم في بني عوف، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول ، فقام أبو بكر حتى ظلل عليه بردائه، فعرف الناس رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عند ذلك .
كان يوم وصول الرسول -صلى الله عليه وسلم- وأبي بكر إلى المدينة يوم فرح وابتهاج لم ترَ المدينة يومًا مثله، ولبس الناس أحسن ملابسهم كأنهم في يوم عيد، ولقد كان حقًا يوم عيد؛ لأنه اليوم الذي انتقل فيه الإسلام من ذلك الحيز الضيق في مكة إلى رحابة الانطلاق والانتشار بهذه البقعة المباركة (المدينة)، ومنها إلى سائر بقائع الأرض. لقد أحس أهل المدينة بالفضل الذي حباهم الله به، وبالشرف الذي اختصهم الله به، فقد صارت بلدتهم موطنًا لإيواء رسول الله وصحابته المهاجرين، ثم لنصرة الإسلام، كما أصبحت موطنًا للنظام الإسلامي العام التفصيلي بكل مقوماته، ولذلك خرج أهل المدينة يهللون في فرح وابتهاج ويقولون: يا رسول الله، يا محمد يا رسول الله. وبعد هذا الاستقبال الجماهيري العظيم الذي لم ير مثله في تاريخ الإنسانية سار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى نزل في دار أبي أيوب الأنصاري -رضي الله عنه- ، ونزل الصديق على خارجة بن زيد الخزرجي الأنصاري.
وبدأت رحلة المتاعب والمصاعب والتحديات، فتغلب عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- للوصول للمستقبل الباهر للأمة والدولة الإسلامية التي استطاعت أن تصنع حضارة إنسانية رائعة على أسس من الإيمان والتقوى والإحسان والعدل، بعد أن تغلبت على أقوى دولتين كانتا تحكمان في العالم، وهما الفرس والروم ، وكان الصديق -رضي الله عنه- الساعد الأيمن لرسول الله × منذ بزوغ الدعوة حتى وفاته ×. وكان أبو بكر -رضي الله عنه- ينهل بصمت وعمق من ينابيع النبوة حكمةً وإيمانًا، يقينًا وعزيمة، وتقوى وإخلاصًا، فإذا هذه الصحبة تثمر صلاحًا وصِدِّيقيَّة، ذكرًا ويقظة، حبًّا وصفاء، عزيمة وتصميمًا، إخلاصًا وفهمًا، فوقف مواقفه المشهودة بعد وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في سقيفة بني ساعدة وغيرها من المواقف، وبعث جيش أسامة، وحروب الردة، فأصلح ما فسد وبنى ما هُدم، وجمع ما تفرق، وقوَّم ما انحرف.
إن حادثة هجرة الصديق مع رسول الله فيها دروس وعبر وفوائد، منها:
أولا: قال تعالى: +إِلاَّ تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لاَ تَحْزَنْ إِنَّ اللهَ مَعَنَا فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَى وَكَلِمَةُ اللهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ" [التوبة: 40].
ففي هذه الآية الكريمة دلالة على أفضلية الصديق من سبعة أوجه، ففي الآية الكريمة من فضائل أبي بكر -رضي الله عنه-:
1- أن الكفار أخرجوه:
الكفار أخرجوا الرسول «ثاني اثنين»، فلزم أن يكونوا أخرجوهما، وهذا هو الواقع.
2- أنه صاحبه الوحيد:
الذي كان معه حين نصره الله؛ إذ أخرجه الذين كفروا هو أبو بكر، وكان ثاني اثنين الله ثالثهما.
قوله: +ثَانِيَ اثْنَيْنِ"، ففي المواضع التي لا يكون مع النبي -صلى الله عليه وسلم- مع أكابر الصحابة إلا واحد يكون هو ذلك الواحد؛ مثل سفره في الهجرة، ومقامه يوم بدر في العريش لم يكن معه فيه إلا أبو بكر، ومثل خروجه إلى قبائل العرب يدعوهم إلى الإسلام كان يكون معه
من أكابر الصحابة أبو بكر، وهذا اختصاص في الصحبة لم يكن لغيره باتفاق أهل المعرفة بأحوال النبي -صلى الله عليه وسلم-.
3- أنه صاحبه في الغار:
الفضيلة في الغار ظاهرة بنص القرآن، وقد أخرجا في الصحيحين من حديث أنس عن أبي بكر -رضي الله عنه-، قال: نظرت إلى أقدام المشركين على رؤوسنا ونحن في الغار، فقلت: يا رسول الله، لو أن أحدهم نظر إلى قدميه لأبصرنا. فقال -صلى الله عليه وسلم-: «يا أبا بكر، ما ظنك باثنين الله ثالثهما». وهذا الحديث مع كونه مما اتفق أهل العلم على صحته وتلقيه بالقبول، فلم يختلف في ذلك اثنان منهم، فهو مما دل القرآن على معناه .
4- أنه صاحبه المطلق:
قوله: +إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ" لا يختص بمصاحبته في الغار؛ بل هو صاحبه المطلق الذي عمل في الصحبة، كما لم يشركه فيه غيره فصار مختصا بالأكملية من الصحبة، وهذا مما لا نزاع فيه بين أهل العلم بأحوال النبي -صلى الله عليه وسلم-، ولهذا قال من قال من العلماء: إن فضائل الصديق خصائص لم يشركه فيها غيره.
5- أنه المشفق عليه:
قوله +لاَ تَحْزَنْ" يدل على أن صاحبه كان مشفقًا عليه محبًّا له، ناصرًا له حيث يحزن، وإنما يحزن الإنسان حال الخوف على من يحبه، وكان حزنه على النبي -صلى الله عليه وسلم- لئلا يقتل ويذهب الإسلام، ولهذا لما كان معه في سفر الهجرة كان يمشي أمامه تارة، ووراءه تارة، فسأله النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ذلك، فقال: أذكر الرصد فأكون أمامك، وأذكر الطلب فأكون وراءك، وفي رواية أحمد في كتاب «فضائل الصحابة»:... فجعل أبو بكر يمشي خلفه ويمشي أمامه، فقال له النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ما لك؟» قال: يا رسول الله، إذا كنت أمامك خشيت أن تؤتى من وراءك، وإذا كنت خلفك خشيت أن تؤتى من أمامك. قال: لما انتهيا إلى الغار قال أبو بكر: يا رسول الله، كما أنت حتى أَقُمَّه.. فلما رأى أبو بكر جحرًا في الغار فألقمها قدمَه، وقال: يا رسول الله، إن كانت لسعة أو لدغة كانت بي . فلم يكن يرضى بمساواة النبي؛ بل كان لا يرضى بأن يقتل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو يعيش، كان يختار أن يفديه بنفسه وأهله وماله، وهذا واجب على كل مؤمن، والصديق أقوم المؤمنين بذلك.
6- المشارك له في معية الاختصاص:
قوله: +إِنَّ اللهَ مَعَنَا" صريح في مشاركة الصديق للنبي -صلى الله عليه وسلم- في هذه المعية التي اختص بها الصديق لم يشركه فيها أحد من الخلق. وهي تدل على أنه معهما بالنصر والتأييد، والإعانة على عدوهما. فيكون النبي -صلى الله عليه وسلم- قد أخبر أن الله ينصرني وينصرك يا أبا بكر ويعيننا عليهم، نصرَ إكرام ومحبة، كما قال الله تعالى: +إِنَّا لَنَنصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الأشْهَادُ" [غافر: 51]. وهذا غاية المدح لأبي بكر إذا دل على أنه ممن شهد له الرسول
بالإيمان المقتضي نصرَ الله له مع رسوله في مثل هذا الحال التي يخذل فيها عامة الخلق إلا
من نصره الله .
وقال الدكتور عبد الكريم زيدان عن المعية في هذه الآية الكريمة: وهذه المعية الربانية المستفادة من قوله تعالى: +إِنَّ اللهَ مَعَنَا" أعلى من معيته للمتقين والمحسنين في قوله تعالى: +إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ" [النحل: 128]؛ لأن المعية هنا لذات الرسول وذات صاحبه، غير مقيدة بوصف هو عمل لهما، كوصف التقوى والإحسان بل هي خاصة برسوله وصاحبه، كمقولة هذه المعية بالتأييد بالآيات وخوارق العادات .
7- أنه صاحبه في حال إنزال السكينة والنصر:
قال تعالى: +فَأَنْزَلَ اللهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا" [التوبة: 40]، فإن من كان صاحبه في حال الخوف الشديد فلأن يكون صاحبه في حضور النصر والتأييد أولى وأحرى، فلم يحتج أن يذكر صحبته له في هذه الحال لدلالة الكلام والحال عليها، وإذا علم أنه صاحبه في هذه الحال علم أنما حصل للرسول من إنزال السكينة والتأييد بالجنود التي لم يرها الناس لصاحبه فيها أعظم مما لسائر الناس، وهذا من بلاغة القرآن وحسن بيانه.
ثانيًا: فقه النبي -صلى الله عليه وسلم- والصديق في التخطيط والأخذ بالأسباب:
إن من تأمل حادثة الهجرة رأى دقة التخطيط فيها ودقة الأخذ بالأسباب من ابتدائها ومن مقدماتها إلى ما جرى بعدها، يدرك أن التخطيط المسدد بالوحي في حياة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان قائمًا، وأن التخطيط جزء من السنة النبوية، وهو جزء من التكليف الإلهي في كل ما طولب به المسلم، وأن الذين يميلون إلى العفوية بحجة أن التخطيط وإحكام الأمور ليسا من السنة، أمثال هؤلاء مخطئون ويجنون على أنفسهم وعلى المسلمين .
فعندما حان وقت الهجرة للنبي -صلى الله عليه وسلم- في التنفيذ نلاحظ الآتي:
أ- وجود التنظيم الدقيق للهجرة حتى نجحت رغم ما كان يكتنفها من صعاب وعقبات، وذلك أن كل أمر من أمور الهجرة كان مدروسًا دراسة وافية، فمثلاً:
1- جاء -صلى الله عليه وسلم- إلى بيت أبي بكر في وقت شدة الحر؛ الوقت الذي لا يخرج فيه أحد؛ بل من عادته لم يكن يأتي له، لماذا؟ حتى لا يراه أحد.
2- إخفاء شخصيته -صلى الله عليه وسلم- أثناء مجيئه للصديق وجاء إلى بيت الصديق متلثمًا؛ لأن التلثم يقلل من إمكانية التعرف على معالم الوجه المتلثم .
3- أمر -صلى الله عليه وسلم- أبا بكر أن يخرج من عنده، ولما تكلم لم يُبِن إلا الأمر بالهجرة دون
تحديد الاتجاه.
4- وكان الخروج ليلا ومن باب خلفي في بيت أبي بكر .
5- بلغ الاحتياط مداه باتخاذ طرق غير مألوفة للقوم، والاستعانة بذلك بخبير يعرف مسالك البادية، ومسارب الصحراء، وكان ذلك الخبير مشركًا ما دام على خلق ورزانة، وفيه دليل على أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- كان لا يحجم على الاستعانة بالخبرات مهما يكن مصدرها. وقد يبين الشيخ عبد الكريم زيدان أن القاعدة والأصل عدم الاستعانة بغير المسلم في الأمور العامة، ولهذه القاعدة استثناء، وهو جواز الاستعانة بغير المسلم بشروط معينة، وهي: تحقيق المصلحة أو رجحانها بهذه الاستعانة، وأن لا يكون ذلك على حساب الدعوة ومعانيها، وأن يتحقق الوثوق الكافي بمن يستعان به، وأن لا تكون هذه الاستعانة مثار شبهة لأفراد المسلمين، وأن تكون هناك حاجة حقيقية لهذه الاستعانة على وجه الاستثناء، وإذا لم تتحقق لم تجز الاستعانة. وقد كان الصديق -رضي الله عنه- قد دعا أولاده للإسلام ونجح بفضل الله في هذا الدور الكبير والخطير، وقام بتوظيف أسرته لخدمة الإسلام ونجاح هجرة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فوزع بين أولاده المهام الخطيرة في مجال التنفيذ العملي لخطة الهجرة المباركة:
1- دور عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما:
فقد قام بدور صاحب المخابرات الصادق وكشف تحركات العدو، لقد ربى عبد الله على حب دينه، والعمل لنصرته ببصيرة نافذة وفطنة كاملة وذكاء متوقد، يدل على العناية الفائقة التي اتبعها سيدنا أبو بكر في تربيته. وقد رسم له أبوه دوره في الهجرة فقام به خير قيام، وكان يتمثل في التنقل بين مجالس أهل مكة يستمع أخبارهم وما يقولونه في نهارهم، ثم يأتي الغار إذا أمسى، فيحكي للنبي -صلى الله عليه وسلم- ولأبيه الصديق -رضي الله عنه- ما يدور بعقول أهل مكة وما يدبرونه، وقد أتقن عبد الله هذا الواجب بطريقة رائعة، فلم تأخذ واحدًا من أهل مكة ريبة فيه، وكان يبيت عند الغار حارسًا، حتى إذا اقترب النهار عاد إلى مكة فما شعر به أحد .
2- دور عائشة وأسماء رضي الله عنهما:
كان لأسماء وعائشة دور عظيم أظهر فوائد التربية الصحيحة، حيث قامتا عند قدوم النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى بيت أبي بكر ليلة الهجرة بتجهيز طعام النبي -صلى الله عليه وسلم- ولأبيهما.. تقول أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنها-: فجهزناهما (تقصد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأباها) أحسن الجهاز فصنعنا لهما سفرة في جراب، فقطعت أسماء قطعة من نطاقها فربطت به على فم الجراب، فلذلك سميت ذات النطاقين.
3- دور أسماء في تحمل الأذى وإخفاء أسرار المسلمين:
أظهرت أسماء -رضي الله عنها- دور المسلمة الفاهمة لدينها، المحافظة على أسرار الدعوة، المتحملة لتوابع ذلك من الأذى والتعنت. فهذه أسماء تحدثنا بنفسها حيث تقول: لما خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر -رضي الله عنه- أتانا نفر من قريش فيهم أبو جهل بن هشام، فوقفوا على باب أبي بكر فخرجت إليهم، فقالوا: أين أبوك يا بنت أبي بكر؟ قلت: لا أدري والله أين أبي؟ قالت: فرفع أبو جهل يده وكان فاحشًا خبيثًا، فلطم خدي لطمة طرح منها قرطي، قالت: ثم انصرفوا...
فهذا درس من أسماء -رضي الله عنها- تعلمه لنساء المسلمين جيلاً بعد جيل، كيف تخفي أسرار المسلمين عن الأعداء، وكيف تقف صامدة شامخة أمام قوى البغي والظلم.
4- دور أسماء -رضي الله عنها- في بث الأمان والطمأنينة في البيت:
خرج أبو بكر -رضي الله عنه- مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ومعه ماله كله، وهو ما تبقى من رأسماله، وكان خمسة آلاف أو ستة آلاف درهم، وجاء أبو قحافة ليتفقد بيت ابنه ويطمئن على أولاده، وقد ذهب بصره، فقال: والله إني لأراه قد فجعكم بماله مع نفسه، قالت: كلا يا أبت، ضع يدك على هذا المال، قالت: فوضع يده عليه، فقال: لا بأس، إذا كان ترك لكم هذا فقد أحسن. وفي هذا بلاغ لكم. لا والله ما ترك لنا شيئًا، ولكني أردت أن أسكِّن الشيخ بذلك .
وبهذه الفطنة والحكمة سترت أسماء أباها، وسكن قلب جدها الضرير من غير أن تكذب، فإن أباها قد ترك لهم حقا هذه الأحجار التي كومتها لتطمئن لها نفس الشيخ، إلا أنه قد ترك لهم معها إيمانا بالله لا تزلزله الجبال، ولا تحركه العواصف الهوج، ولا يتأثر بقلة أو كثرة في المال، ورَّثهم يقينًا وثقة به لا حد لهما، وغرس فيهم همة تتعلق بمعالي الأمور، ولا تلتفت إلى سفاسفها، فضرب بهم للبيت المسلم مثالاً عزَّ أن يتكرر، وقلَّ أن يوجد نظيره.
لقد ضربت أسماء -رضي الله عنها- بهذه المواقف لنساء وبنات المسلمين مثلا هنَّ في أمسِّ الحاجة إلى الاقتداء به، والنسج على منواله، وظلت أسماء مع أخواتها في مكة لا تشكو ضيقا، ولا تظهر حاجة، حتى بعث النبي -صلى الله عليه وسلم- زيد بن حارثة وأبا رافع مولاه، وأعطاهما بعيرين وخمسمائة درهم إلى مكة، فقدما عليه بفاطمة وأم كلثوم ابنتيه، وسودة بنت زمعة زوجه، وأسامة بن زيد، وأمه بركة المكناة بأم أيمن، وخرج معهما عبد الله بن أبي بكر بعيال أبي بكر، حتى قدموا المدينة مصطحبين .
5- دور عامر بن فهيرة مولى أبي بكر -رضي الله عنه-:
من العادة عند كثير من الناس إهمال الخادم وقلة الاكتراث بأمره، لكن الدعاة الربانيين لا يفعلون ذلك، إنهم يبذلون جهدهم لهداية من يلاقونه، لذا أدَّب الصديق -رضي الله عنه- عامر بن فهيرة مولاه وعلمه، فأضحى عامر جاهزًا لفداء الإسلام وخدمة الدين.
وقد رسم له سيدنا أبو بكر -رضي الله عنه- دورًا هامًا في الهجرة، فكان يرعى الغنم مع رعيان مكة، لكن لا يلفت الأنظار لشيء، حتى إذا أمسى أراح بغنم سيدنا أبي بكر على النبي -صلى الله عليه وسلم- فاحتلبا وذبحا، ثم يكمل عامر دور عبد الله بن أبي بكر حين يغدو من عنده رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وصاحبه عائدًا إلى مكة، فيتتبع آثار عبد الله ليعفي عليها، مما يعد ذكاء وفطنة في الإعداد لنجاح الهجرة .
وإنه لدرس عظيم يستفاد من الصديق لكي يهتم المسلمون بالخدم الذين يأتونهم من مشارق الدنيا ومغاربها، ويعاملونهم على كونهم بَشَرًا أولاً، ثم يعلمونهم الإسلام، فلعل الله يجعل منهم من يحمل هذا الدين كما ينبغي.
إن ما قام به الصديق من تجنيد أسرته لخدمة صاحب الدعوة -صلى الله عليه وسلم- في هجرته يدل على تدبير للأمور على نحو رائع دقيق، واحتياط للظروف بأسلوب حكيم، ووضع لكل شخص من أشخاص الهجرة في مكانه المناسب، وسدٍّ لجميع الثغرات، وتغطية بديعة لكل مطالب الرحلة، واقتصار على العدد اللازم من الأشخاص من غير زيادة ولا إسراف. لقد أخذ الرسول -صلى الله عليه وسلم- بالأسباب المعقولة أخذًا قويًا حسب استطاعته وقدرته، ومن ثم باتت عناية الله متوقعة .
إن اتخاذ الأسباب أمر ضروري وواجب، ولكن لا يعني ذلك دائما حصول النتيجة؛ ذلك لأن هذا أمر يتعلق بأمر الله ومشيئته، ومن هنا كان التوكل أمرًا ضروريًا وهو من باب استكمال اتخاذ الأسباب.
إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أعد كل الأسباب واتخذ كل الوسائل، ولكنه في الوقت نفسه مع الله يدعوه ويستنصره أن يكلل سعيه بالنجاح، وهنا يستجاب الدعاء، ويكلل العمل النجاح .
ثالثًا: جندية الصديق الرفيعة وبكاؤه من الفرح:
تظهر أثر التربية النبوية في جندية أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، فأبو بكر -رضي الله عنه- عندما أراد أن يهاجر إلى المدينة وقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا تعجل، لعل الله يجعل لك صاحبًا»، فقد بدأ في الإعداد والتخطيط للهجرة «فابتاع راحلتين واحتبسهما في داره يعلفهما إعدادًا لذلك». وفي رواية البخاري: وعلف راحلتين كانتا عنده، ورق السمر (وهو الخبط) أربعة أشهر، لقد كان يدرك بثاقب بصره -رضي الله عنه- (وهو الذي تربى ليكون قائدًا) أن لحظة الهجرة صعبة قد تأتي فجأة ولذلك هيأ وسيلة الهجرة ورتب تموينها، وسخَّر أسرته لخدمة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعندما جاء رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأخبره أن الله قد أذن له في الخروج والهجرة بكى من شدة الفرح، وتقول عائشة -رضي الله عنها- في هذا الشأن: فوالله ما شعرت قط قبل ذلك اليوم أن أحدًا يبكي من الفرح حتى رأيت أبا بكر يبكي يومئذ، إنها قمة الفرح البَشَري، أن يتحول الفرح إلى بكاء، ومما قال الشاعر عن هذا:
وَرَدَ الكتاب من الحبيب بأنه
سيزورني فاستعبرت أجفاني
غلب السرور عليَّ حتى إنني
من فرط ما قد سرني أبكاني

يا عين صار الدمع عندك عادة
تبكين من فرح ومن أحزان



فالصديق -رضي الله عنه- يعلم أن معنى هذه الصحبة أنه سيكون وحده برفقة رسول رب العالمين بضعة عشر يومًا على الأقل، وهو الذي سيقدم حياته لسيده وقائده وحبيبه المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، فأي فوز في هذا الوجود يفوق هذا الفوز، أن ينفرد الصديق وحده من دون أهل الأرض ومن دون الصحب جميعًا برفقة سيد الخلق وصحبته كل هذه المدة.
وتظهر معاني الحب في الله في خوف أبي بكر وهو في الغار من أن يراهما المشركون ليكون الصديق مثلاً لما ينبغي أن يكون عليه جندي الدعوة الصادق مع قائده الأمين، حين يحدق به الخطر, من خوف وإشفاق على حياته، فما كان أبو بكر ساعتئذ بالذي يخشى على نفسه الموت، ولو كان كذلك لما رافق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في هذه الهجرة الخطيرة وهو يعلم أن أقل جزائه القتل إن أمسكه المشركون مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولكنه كان يخشى على حياة الرسول الكريم -صلى الله عليه وسلم-، وعلى مستقبل الإسلام إن وقع الرسول -صلى الله عليه وسلم- في قبضة المشركين.
ويظهر الحس الأمني الرفيع للصديق في هجرته مع النبي -صلى الله عليه وسلم- في مواقف كثيرة منها، حين أجاب السائل: من هذا الرجل الذي بين يديك؟ فقال: هذا هادٍ يهديني السبيل، فظن السائل بأن الصديق يقصد الطريق، وإنما كان يقصد سبيل الخير، وهذا يدل على حسن استخدام أبي بكر للمعاريض فرارًا من الحرج أو الكذب. وفي إجابته للسائل تورية وتنفيذ
للتربية الأمنية التي تلقاها من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن الهجرة كانت سرًّا، وقد أقره الرسول -صلى الله عليه وسلم- على ذلك .
رابعًا: فن قيادة الأرواح وفن التعامل مع النفوس:
يظهر الحب العميق الذي سيطر على قلب أبي بكر لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في الهجرة، كما يظهر حب سائر الصحابة أجمعين في سيرة الحبيب المصطفى -صلى الله عليه وسلم-، وهذا الحب الرباني كان نابعا من القلب وبإخلاص، ولم يكن حب نفاق أو نابعًا من مصلحة دنيوية، أو رغبة من منفعة أو رهبة لمكروه قد يقع. ومن أسباب هذا الحب لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- صفاته القيادية الرشيدة، فهو يسهر ليناموا، ويتعب ليستريحوا، ويجوع ليشبعوا، كان يفرح لفرحهم ويحزن لحزنهم، فمن سلك سنن الرسول -صلى الله عليه وسلم- مع صحابته، في حياته الخاصة والعامة، وشارك الناس في أفراحهم وأتراحهم، وكان عمله لوجه الله، أصابه هذا الحب إن كان من الزعماء أو القادة أو المسئولين في أمة الإسلام .
وصدق الشاعر الليبي أحمد رفيق المهداوي عندما قال:


فإذا أحب الله باطنَ عبده
ظهرت عليه مواهب الفتاح

وإذا صفت لله نية مصلح
مال العباد عليه بالأرواح



إن القيادة الصحيحة هي التي تستطيع أن تقود الأرواح قبل كل شيء، وتستطع أن تتعامل مع النفوس قبل غيرها، وعلى قدر إحسان القيادة يكون إحسان الجنود، وعلى قدر البذل من القيادة يكون الحب من الجنود، فقد كان -صلى الله عليه وسلم- رحيمًا وشفوقًا بجنوده وأتباعه، فهو لم يهاجر إلا بعد أن هاجر معظم أصحابه، ولم يبق إلا المستضعفون والمفتونون، ومن كانت له مهمات خاصة بالهجرة .
والجدير بالذكر أن حب الصديق لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- كان لله، ومما يبين الحب لله والحب لغير الله أن أبا بكر كان يحب النبي -صلى الله عليه وسلم- مخلصًا لله، وأبو طالب عمه كان يحبه وينصره لهواه لا لله، فتقبل الله عمل أبي بكر وأنزل فيه قوله: +وَسَيُجَنَّبُهَا الأتْقَى  الَّذِي يُؤْتِي مَالَهُ يَتَزَكَّى  وَمَا لأحَدٍ عِنْدَهُ مِن نِّعْمَةٍ تُجْزَى  إِلاَّ ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِ الأعْلَى  وَلَسَوْفَ يَرْضَى" [الليل: 17- 21]، وأما أبو طالب فلم يتقبل عمله، بل أدخله النار؛ لأنه كان مشركًا عاملاً لغير الله، وأبو بكر لم يطلب أجره من الخلق، لا من النبي -صلى الله عليه وسلم- ولا من غيره، بل آمن به وأحبه وكلأه وأعانه في الله، متقربًا بذلك إلى الله وطالبًا الأجر من الله، ويبلغ عن الله أمره ونهيه ووعده ووعيده .
خامسًا: مرض أبي بكر الصديق بالمدينة في بداية الهجرة:
كانت هجرة النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه عن البلد الأمين تضحية عظيمة عبر عنها النبي -صلى الله عليه وسلم- بقوله: «والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أُخْرجت منك ما خرجت».
وعن عائشة -رضي الله عنها- قالت: لما قدم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة قدمها وهي أوبأ أرض الله من الحمى، وكان واديها يجري نجلا (يعني ماء آجنا) فأصاب أصحابه منها بلاء وسقم، وصرف الله ذلك عن نبيه، قالت: فكان أبو بكر وعامر بن فهيرة وبلال في بيت واحد، فأصابتهم الحمى، فاستأذنت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عيادتهم فأذن، فدخلت إليهم أعودهم -وذلك قبل أن يضرب علينا الحجاب- وبهم ما لا يعلمه إلا الله من شدة الوعك ، فدنوت من أبي بكر فقلت: يا أبت، كيف تجدك؟ فقال:


كل امرئ مصبح في أهله
والموت أدنى من شراك نعله



قالت: فقلت: والله ما يدري أبي ما يقول، ثم دنوت من عامر بن فهيرة فقلت: كيف تجدك يا عامر؟ فقال:


لقد وجدت الموت قبل ذوقه
إن الجبان حتفه من فوقه

كل امرئ مجاهد بطوقه
كالثور يحمي جلده بروقه



قالت: قلت: والله ما يدري عامر ما يقول. قالت: وكان بلال إذا أقلع عنه الحمى اضطجع بفناء البيت ثم يرفع عقيرته ، ويقول:


ألا ليت شعري هل أبيتن ليلة
بواد وحولي إذخر وجليل

وهل أرِدَن يوما مياه مجنة
وهل يبدون لي شامة وطفيل



قالت: فأخبرت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بذلك فقال: «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، اللهم وصححها وبارك لنا في مدها وصاعها،وانقل حمَّاها واجعلها بالجحفة» .
وقد استجاب الله دعاء نبيه -صلى الله عليه وسلم-، وعوفي المسلمون بعدها من هذه الحمى، وغدت المدينة موطنًا ممتازًا لكل الوافدين والمهاجرين إليها من المسلمين على تنوع بيئاتهم ومواطنهم .
شرع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بعد استقراره بالمدينة في تثبيت دعائم الدولة الإسلامية، فآخى بين المهاجرين والأنصار، ثم أقام المسجد، وأبرم المعاهدة مع اليهود، وبدأت حركة السرايا، واهتم بالبناء الاقتصادي والتعليمي والتربوي في المجتمع الجديد، وكان أبو بكر -رضي الله عنه- وزير صدق لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولازمه في كل أحواله، ولم يغب عن مشهد من المشاهد، ولم يبخل بمشورة أو مال أو رأي.


الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://dynastywarriors.yoo7.com/profile.forum
داندونه
Marquis
Marquis


انثى عدد الرسائل : 1452
العمر : 22
الدولة : kingdom of saudia arabia
أفضل مملكة : Wei
تاريخ التسجيل : 05/12/2011

مُساهمةموضوع: رد: سيرة أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-   الثلاثاء 26 يونيو 2012, 6:09 am

مرره روعه موضوعك
بصراحه ماينمل منه
واحلا شي فيه انه يشجعك على الاعمال الصالحه
تسلم الله يجزاك الجنه
جعله في موازين حسناتك
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://dandunah.tumblr.com/
Xu Huang
The Prime Minister
The Prime Minister


ذكر عدد الرسائل : 2990
العمر : 23
الدولة : K.S.A
أفضل مملكة : Wei
تاريخ التسجيل : 26/07/2011

مُساهمةموضوع: رد: سيرة أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-   الثلاثاء 26 يونيو 2012, 6:32 am

موضوووع كبييير يا كبييييييير

لا تنسي الفصل الجاي

ماشاء الله موضوع دسم
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
The Stranger
Marquis
Marquis


ذكر عدد الرسائل : 3357
العمر : 22
الدولة : في عآلم الغربه...
أفضل مملكة : Shu
تاريخ التسجيل : 14/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: سيرة أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-   الثلاثاء 26 يونيو 2012, 6:42 am

باقي ماوصلنا معركة اليرموك الله على احداثها يوم قريتها دخلت جو ^^...



يكفيك نساء المسلمين... اعطوا دفعات معنوية للرجال وقت ما تراجعوا... (يحرك عليكم المعركة هه)
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://dynastywarriors.yoo7.com/profile.forum
The Stranger
Marquis
Marquis


ذكر عدد الرسائل : 3357
العمر : 22
الدولة : في عآلم الغربه...
أفضل مملكة : Shu
تاريخ التسجيل : 14/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: سيرة أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-   الخميس 28 يونيو 2012, 6:27 pm



المبحث الرابع

الصديق في ميادين الجهاد

تمهيد:

ذكر أهل العلم بالتواريخ والسير أن أبا بكر شهد مع النبي -صلى الله عليه وسلم- بدرًا والمشاهد كلها، ولم يفته منها مشهدًا، وثبت مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يوم أحد حين انهزم الناس، ودفع إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- رايته العظمى يوم تبوك وكانت سوداء .
وقال ابن كثير: ولم يختلف أهل السير في أن أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- لم يتخلف عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مشهد من المشاهد كلها .
وقال الزمخشري: إنه (يعني أبا بكر -رضي الله عنه-) كان مضافًا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الأبد، فإنه صحبه صغيرًا وأنفق ماله كبيرًا، وحمله إلى المدينة براحلته وزاده، ولم يزل ينفق عليه ماله في حياته، وزوَّجه ابنته، ولم يزل ملازمًا له سفرًا وحضرًا، فلما توفي دفنه في حجرة عائشة أحب النساء إليه -صلى الله عليه وسلم- .
وعن سلمة بن الأكوع: غزوت مع النبي -صلى الله عليه وسلم- سبع غزوات، وخرجت فيما يبعث من البعوث تسع غزوات مرة علينا أبو بكر ومرة علينا أسامة .
ومن خلال هذا المبحث سنحاول أن نتتبع حياة الصديق -رضي الله عنه- الجهادية مع النبي -صلى الله عليه وسلم-، لنرى كيف جاهد الصديق بنفسه وماله ورأيه في نصرة دين الله تعالى.

أولاً: أبو بكر -رضي الله عنه- في بدر الكبرى:

شارك الصديق في غزوة بدر، وكانت في العام الثاني من الهجرة وكانت له فيها مواقف مشهورة، من أهمها:

1- مشورة الحرب:

لما بلغ النبي من نجاة القافلة وإصرار زعماء مكة على قتال النبي -صلى الله عليه وسلم- استشار رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أصحابه في الأمر ، فقام أبو بكر فقال وأحسن، ثم قام عمر فقال وأحسن .

2- دوره في الاستطلاع مع النبي -صلى الله عليه وسلم-:

قام النبي -صلى الله عليه وسلم- ومعه أبو بكر يستكشف أحوال جيش المشركين، وبينما هما يتجولان في تلك المنطقة لقيا شيخًا من العرب، فسأله رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن جيش قريش وعن محمد -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه وما بلغه من أخبارهم، فقال الشيخ: لا أخبركما حتى تخبراني ممن أنتما، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا أخبرتنا أخبرناك» فقال: أو ذاك بذاك؟ قال: «نعم»، فقال الشيخ: فإنه بلغني أن محمدًا وأصحابه خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا - للمكان الذي به جيش المسلمين- وبلغني أن قريشًا خرجوا يوم كذا وكذا، فإن كان صدق الذي أخبرني فهم اليوم بمكان كذا وكذا -للمكان الذي فيه جيش المشركين فعلا- ثم قال الشيخ: لقد أخبرتكما عما أردتما، فأخبراني ممن أنتما؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «نحن من ماء»، ثم انصرف النبي -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر عن الشيخ، وبقي هذا الشيخ يقول: ما من ماء؟ أمن ماء العراق؟
وفي هذا الموقف يتضح قرب الصديق من النبي -صلى الله عليه وسلم-، وقد تعلم أبو بكر من رسول
الله -صلى الله عليه وسلم- دروسًا كثيرة.

3- في حراسة النبي -صلى الله عليه وسلم- في عريشه:

عندما رتب -صلى الله عليه وسلم- الصفوف للقتال، رجع إلى مقر القيادة وكان عبارة عن عريش على تل مشرف على ساحة القتال، وكان معه فيه أبو بكر -رضي الله عنه-، وكانت ثلة من شباب الأنصار بقيادة سعد بن معاذ يحرسون عريش رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, وقد تحدث علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- عن هذا الموقف فقال: يا أيها الناس، من أشجع الناس؟ فقالوا: أنت يا أمير المؤمنين، فقال: أما إني ما بارزني أحد إلا انتصفت منه، ولكن هو أبو بكر؛ إنا جعلنا لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- عريشًا، فقلنا: من يكون مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لئلا يهوي إليه أحد من المشركين؟ فوالله ما دنا منه أحد إلا أبو بكر شاهرًا بالسيف على رأس رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، لا يهوي إليه أحد من المشركين إلا أهوى إليه، فهذا أشجع الناس.

4- الصديق يتلقى البشارة بالنصر، ويقاتل بجانب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:

بعد الشروع في الأخذ بالأسباب اتجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى ربه يدعوه ويناشده النصر الذي وعده ويقول في دعائه: «اللهم أنجز لي ما وعدتني، اللهم إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام فلا تعبد في الأرض أبدًا». وما زال -صلى الله عليه وسلم- يدعو ويستغيث حتى سقط رداؤه، فأخذه أبو بكر ورَدَّه على منكبيه وهو يقول: يا رسول الله، كفاك مناشدتكم ربك فإنه منجز لك ما وعدك وأنزل الله -عز وجل-: +إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ" وفي رواية ابن عباس قال: قال النبي -صلى الله عليه وسلم- يوم بدر: «اللهم إني أنشدك عهدك ووعدك، اللهم إن شئت لم تعبد» فأخذ أبو بكر بيده، فقال: حسبك الله، فخرج -صلى الله عليه وسلم- وهو يقول: +سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُّونَ الدُّبُرَ". وقد خفق النبي -صلى الله عليه وسلم- خفقة وهو في العريش ثم انتبه فقال: أبشر يا أبا بكر أتاك نصر الله، هذا جبريل آخذ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه النقع (يعني الغبار)، قال: ثم خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الناس فحرَّضهم .
وقد تعلم الصديق من هذا الموقف درسًا ربانيًا مهمًا في التجرد النفسي وحظها، والخلوص واللجوء لله وحده، والسجود والجثي بين يدي الله سبحانه لكي ينزل نصره، وبقي هذا المشهد راسخًا في ذاكرة الصديق وقلبه ووجدانه يقتدي برسول الله -صلى الله عليه وسلم- في تنفيذه في مثل هذه الساعات وفي مثل هذه المواطن، ويبقى هذا المشهد درسًا لكل قائد أو حاكم أو زعيم أو فرد يريد أن يقتدي بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام.
ولما اشتد أوار المعركة وحمي وطيسها نزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وحرض على القتال والناس على مصافهم يذكرون الله تعالى، وقد قاتل -صلى الله عليه وسلم- بنفسه قتالاً شديدًا وكان بجانبه الصديق ،
وقد ظهرت منه شجاعة وبسالة منقطعة النظير، وكان على استعداد لمقاتلة كل كافر عنيد ولو كان ابنه، وقد شارك ابنه عبد الرحمن في هذه المعركة مع المشركين، وكان من أشجع الشجعان بين العرب، ومن أنفذ الرماة سهمًا في قريش، فلما أسلم قال لأبيه: لقد أهدفت لي «أي ظهرت أمامي كهدف واضح» يوم بدر، فملت عنك ولم أقتلك، فقال له أبو بكر: لو أهدفت لي لم أَمِلْ عنك .

5- الصديق والأسرى:

قال ابن عباس -رضي الله عنه-: فلما أسروا الأسارى قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر وعمر: «ما ترون في هؤلاء الأسارى؟» فقال أبو بكر: يا نبي الله، هم بنو العم والعشيرة، أرى أن نأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار، فعسى الله أن يهديهم إلى الإسلام، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما ترى يا ابن الخطاب؟» قال: لا والله، يا رسول الله، ما أرى الذي يراه أبو بكر، ولكني أرى أن تمكننا منهم فنضرب أعناقهم، فتمكِّنَ عليًّا من عقيل فيضرب عنقه، وتمكنني من فلان «نسيبًا لعمر» فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها، فهوى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى ما قال أبو بكر ولم يهوَ ما قلت، فلما كان الغد جئت فإذا برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر قاعدين يبكيان، فقلت: يا رسول الله، أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أبكي للذي عرض عليَّ أصحابك من أخذهم الفداء، ولقد عرض عليَّ عذابهم أدنى من هذه الشجرة» (شجرة قريبة من النبي -صلى الله عليه وسلم-)، وأنزل الله -عز وجل-: +مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى" [الأنفال: 67]، إلى قوله: +فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلاَلا طَيِّبًا" [الأنفال: 69]، فأحل الله لهم الغنيمة ( ).
وفي رواية عن عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه- قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما تقولون في هؤلاء الأسرى؟» فقال أبو بكر: يا رسول الله، قومك وأهلك استَبْقِهم واستأن بهم؛ لعل الله أن يتوب عليهم. وقال عمر: يا رسول الله، أخرجوك وكذبوك، قربهم فاضرب أعناقهم. وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، انظر واديًا كثير الحطب، فأدخلهم فيه ثم اضرب عليهم نارًا، فقال العباس: قطعت رحمك. فدخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولم يرد عليهم شيئا، فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر، وقال ناس: يأخذ بقول عمر، وقال ناس: يأخذ بقول
عبد الله بن رواحة، فخرج عليهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: «إن الله ليليِّن قلوب رجال فيه حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى إذ قال: +إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ" [المائدة: 118]، وإن مثلك يا عمر كمثل نوح؛ إذ قال: +وَقَالَ نُوحٌ رَّبِّ لاَ تَذَرْ عَلَى الأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا" [نوح: 26]، وإن مثلك كمثل موسى إذ قال: +وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ زِينَةً وَأَمْوَالا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَن سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ" [يونس: 88] . كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا استشار أصحابه أول من يتكلم أبو بكر في الشورى، وربما تكلم غيره، وربما لم يتكلم غيره فيعمل برأيه وحده، فإذا خالفه غيره اتبع رأيه دون رأي من يخالفه.

ثانيًا: في أحد وحمراء الأسد:

في يوم أحد تلقى المسلمون درسًا صعبًا؛ فقد تفرقوا من حول النبي -صلى الله عليه وسلم-، وتبعثر الصحابة في أرجاء الميدان، وشاع أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قتل، وكان رد الفعل على الصحابة متباينًا، وكان الميدان فسيحًا، وكل مشغول بنفسه، شق الصديق الصفوف، وكان أول من وصل إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، واجتمع إلى رسول الله أبو بكر وأبو عبيدة بن الجراح، وعلي، وطلحة، والزبير، وعمر بن الخطاب، والحارث بن الصمة، وأبو دجانة، وسعد بن أبي وقاص، وغيرهم... رضي الله عنهم، وقصدوا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الشعب من جبل أحد في محاولة لاسترداد قوتهم المادية والمعنوية .
وكان الصديق إذا ذكر أحدًا قال: ذلك يوم كله لطلحة، ثم أنشأ يحدث قال: كنت أول من فاء يوم أحد، فرأيت رجلا يقاتل في سبيل الله دونه، قلت: كن طلحة، حيث فاتني ما فاتني، وكان بيني وبين المشركين رجل لا أعرفه، وأنا أقرب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- منه، وهو يختطف المشي خطفًا لا أخطفه فإذا هو أبو عبيدة، فانتهينا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وقد كسرت رباعيته وشج وجهه، وقد دخل في وجنتيه حلقتان من حلق المغفر، قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «عليكما صاحبكما -يريد طلحة- فقد نزف»، فلم نلتفت إلى قوله، قال: ذهبت لأنزع من وجهه، فقال أبو عبيدة: أقسم عليك بحقي لما تركتني، فتركته فكره تناولها فيؤذي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فأرزم عليه بفيه فاستخرج إحدى الحلقتين ووقعت ثنيته الأخرى مع الحلقة، فكان أبو عبيدة من أحسن الناس هتمًا. فأصلحنا من شأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم أتينا طلحة في بعض تلك الحفار، فإذا به بضع وسبعون من بين طعنة ورمية وضربة، وإذا قد قطعت إصبعه فأصلحنا من شأنه.
وتتضح منزلة الصديق في هذه الغزوة من موقف أبي سفيان عندما سأل وقال: أفي القوم محمد؟ ثلاث مرات، فنهاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ ثلاث مرات، فنهاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- أن يجيبوه، ثم قال: أفي القوم ابن الخطاب؟ ثلاث مرات، ثم رجع إلى أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا . فهذا يدل على ظن
أبي سفيان زعيم المشركين حينئذ بأن أعمدة الإسلام وأساسه؛ رسول الله -صلى الله عليه وسلم-
وأبو بكر وعمر .
وعندما حاول المشركون أن يقبضوا على المسلمين ويستأصلوا شأفتهم، كان التخطيط النبوي الكريم قد سبقهم وأبطل كيدهم، وأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المسلمين مع ما بهم من جراحات وقرح شديد للخروج من إثر المشركين، فاستجابوا لله ولرسوله مع ما بهم من البلاء وانطلقوا، فعن عائشة -رضي الله عنها- قالت لعروة بن الزبير في قوله
تعالى: +الَّذِينَ اسْتَجَابُوا للهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ" [آل عمران: 172]، يا ابن أختي كان أبوك منهم: الزبير وأبو بكر لما أصاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ما أصاب يوم أحد وانصرف عنه المشركون خاف أن يرجعوا قال: «من يذهب في إثرهم؟» فانتدب منهم سبعين رجلا: كان فيهم أبو بكر والزبير .

ثالثًا: في غزوة بين النضير وبني المصطلق وفي الخندق وبني قريظة:

أ- خرج النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى بني النضير يستعينهم في دية القتيلين الذين قتلهما عمرو بن أمية من بني عامر على وجه الخطأ؛ لأن عمرًا لم يعلم بالعهد الذي بين بني عامر وبين النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكان بين بني النضير وبني عامر حلف وعهد، فلما آتاهم النبي -صلى الله عليه وسلم- قالوا: نعم يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت، ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد، قالوا: فمن يعلو على هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيريحنا منه؟ فانتدب لذلك عمرو بن جحاش بن كعب فقال: أنا لذلك، فصعد ليلقي عليه صخرة كما قال، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- في نفر من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلي، فأتى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الخبر من السماء مما أراد القوم، فقام وخرج إلى المدينة، فلما استلبث النبي أصحابه قاموا في طلبه، فرأوا رجلاً مقبلاً من المدينة فسألوه عنه فقالوا: رأيته داخلاً المدينة، فأقبل أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى انتهوا إليه، فأخبرهم الخبر بما كانت اليهود أرادت من الغدر به.
فبعث النبي -صلى الله عليه وسلم- محمد بن مسلمة يأمرهم بالخروج من جواره وبلده، فبعث إليهم أهل النفاق يحرضونهم على المقام ويعدونهم بالنصر، فقويت نفوسهم، وحمى حيي بن أخطب، وبعثوا إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنهم لا يخرجون، ونابذوه ينقض العهد، فعند ذلك أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الناس بالخروج إليهم، فحاصروهم خمس عشرة ليلة فتحصنوا في الحصون، فأمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بقطع النخيل والتحريق، ثم أجلاهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا الحلقة، فنزلت سورة الحشر .

ب- بنو المصطلق:

أراد بنو المصطلق أن يغزوا المدينة، فخرج لهم رسول الله في أصحابه، فلما انتهى إليهم دفع راية المهاجرين إلى أبي بكر الصديق (ويقال: إلى عمار بن ياسر)، وراية الأنصار إلى سعد ابن عبادة، ثم أمر عمر بن الخطاب فنادى في الناس أن قولوا: لا إله إلا الله تمنعوا بها أنفسكم وأموالكم، فأبوا، فتراموا بالنبل، ثم أمر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المسلمين فحملوا حملة رجل واحد، فما أفلت منهم رجل واحد، وقتل منهم عشرة وأسر سائرهم، ولم يقتل من المسلمين سوى رجل واحد .

ج- في الخندق وبني قريظة:

كان الصديق في الغزوتين مرافقا للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وكان يوم الخندق يحمل التراب في ثيابه، وساهم مع الصحابة للإسراع في إنجاز حفر الخندق في زمن قياسي، مما جعل فكرة الخندق تصيب هدفها في مواجهة المشركين .

رابعًا: في الحديبية:

خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ذي القعدة سنة ست من الهجرة يريد زيارة البيت الحرام في كوكبة من الصحابة عددها أربع عشرة مائة، وساق معه الهدي وأحرم بالعمرة ليأمن الناس من حربه، وليعلم الناس أنه إنما خرج زائرًا لتعظيم بيت الله الحرام، فبعث النبي -صلى الله عليه وسلم- عينًا له من خزاعة، فعاد بالخبر أن أهل مكة جمعوا جموعهم لصده عن الكعبة، فقال: «أشيروا
عليَّ أيها الناس
»، فقال أبو بكر -رضي الله عنه-: يا رسول الله، خرجت عامدًا لهذا البيت لا تريد
حربه أو قتل أحد، فتوجه له فمن صدنا عنه قاتلناه، قال: «امضوا على اسم الله»، وقد ثارت قريش وحلفوا أن لا يدخل الرسول -صلى الله عليه وسلم- مكة عنوة، ثم قامت المفاوضات بين أهل
مكة ورسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وقد عزم النبي -صلى الله عليه وسلم- على إجابة أهل مكة على طلبهم إن أرادوا شيئًا فيه صلة رحم .

أ- في المفاوضات:

جاءت وفود قريش لمفاوضة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكان أول من أتى بديل بن ورقاء من خزاعة، فلما علم بمقصد النبي -صلى الله عليه وسلم- والمسلمين رجع إلى أهل مكة، ثم جاء مكرز بن حفص ثم الحليس ابن علقمة ثم عروة بن مسعود الثقفي، فدار هذا الحوار بين النبي -صلى الله عليه وسلم- وعروة بن مسعود الثقفي، واشترك في هذا الحوار أبو بكر -رضي الله عنه- وبعض أصحابه .
قال عروة: يا محمد، أجمعت أوباش الناس ثم جئت بهم إلى بيضتك لتفضها بهم؟ إنها قريش قد خرجت معها العوذ المطافيل (أي: خرجت رجالا ونساء، صغارا وكبارا) قد لبسوا جلود النمور يعاهدون الله ألا تدخلها عليهم عنوة، وايم الله لكأني بهؤلاء (يقصد أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم-) قد انكشفوا عنك!!.
فقال أبو بكر: امصص بظر اللات -وهي صنم ثقيف- أنحن نَفِرُّ عنه وندعه؟ فقال: من ذا؟ قالوا: أبو بكر، قال: أما والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم أجزك بها لأجبتك، وكان الصديق قد أحسن إليه قبل ذلك، فرعى حرمته ولم يجاوبه عن هذه الكلمة، ولهذا قال من قال من العلماء: إن هذا يدل على جواز التصريح باسم العورة للحاجة والمصلحة، وليس من الفحش المنهي عنه .
لقد حاول عروة بن مسعود أن يشن حربًا نفسية على المسلمين حتى يهزمهم معنويًا، ولذلك لوح بقوة المشركين العسكرية، معتمدا على المبالغة في تصوير الموقف بأنه سيؤول لصالح قريش لا محالة، وحاول أن يوقع الفتنة والإرباك في صفوف المسلمين؛ وذلك حينما حاول إضعاف الثقة بين القائد وجنوده، عندما قال للنبي -صلى الله عليه وسلم-: أجمعت أوباشًا من الناس خليقًا أن يفروا ويدعوك، وكان رد الصديق صارمًا ومؤثرا في معنويات عروة ونفسيته، فقد كان موقف الصديق في غاية العزة الإيمانية التي قال الله فيها: +وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ" [آل عمران: 139].

ب- موقفه من الصلح:

ولما توصل المشركون مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى الصلح بقيادة سهل بن عمرو، أصغى الصديق إلى ما وافق عليه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من طلب المشركين، رغم ما قد يظهر للمرء أن في هذا الصلح بعض التجاوز أو الإجحاف بالمسلمين، وسار على هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- ليقينه أن النبي لا ينطق عن الهوى، وأنه فعل لشيء أطلعه الله عليه .
وقد ذكر المؤرخون أن عمر بن الخطاب أتى رسول الله معلنًا معارضته لهذه الاتفاقية، وقال لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-: ألست برسول الله؟ قال: «بلى» قال: أو لسنا بالمسلمين؟ قال: «بلى» قال: أو ليسوا بالمشركين؟ قال: «بلى» قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ قال: «إني رسول الله ولست أعصيه» ، وفي رواية: «أنا عبد الله ورسوله لن أخالف أمره ولن يضيعني»، قلت: أو ليس كنت تحدثنا أنا سنأتي البيت فنطوف به؟ قال: «بلى, فأخبرتك أنا نأتيه هذا العام؟». قلت: لا، قال: «فإنك آتيه ومطوف به» قال عمر: فأتيت أبا بكر فقلت له: يا أبا بكر: أليس برسول الله؟ قال: بلى، قال: أو لسنا بالمسلمين؟ قال: بلى، قال: أو ليسوا بالمشركين؟ قال: بلى، قال: فعلام نعطي الدنية في ديننا؟ فقال أبو بكر -ناصحًا الفاروق بأن يترك الاحتجاج والمعارضة-: الزم غرزه، فإني أشهد أنه رسول الله، وأن الحق ما أمر به، ولن يخالف أمر الله ولن يضيعه الله.
وكان جواب الصديق مثل جواب رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ولم يكن أبو بكر يسمع جواب
النبي -صلى الله عليه وسلم-، فكان أبو بكر -رضي الله عنه- أكمل موافقة لله وللنبي -صلى الله عليه وسلم- من عمر، مع أن عمر -رضي الله عنه- محدث، ولكن مرتبة الصديق فوق مرتبة المحدث؛ لأن الصديق يتلقى عن الرسول المعصوم كل ما يقوله ويفعله .
وقد تحدث الصديق فيما بعد عن هذا الفتح العظيم الذي تم في الحديبية، فقال: ما كان فتح أعظم في الإسلام من فتح الحديبية، ولكن الناس يومئذ قصر رأيهم عما كان بين محمد وربه، والعباد يعجلون، والله لا يعجل كعجلة العباد حتى يبلغ الأمور ما أراد. لقد نظرت إلى سهيل بن عمرو في حجة الوداع قائمًا عند المنحر يقرب إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بَدَنَة، ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينحرها بيده، ودعا الحلاق فحلق رأسه، وأنظر إلى سهيل يلتقط من شعره، وأراه يضعه على عينه، وأذكر إباءه أن يقر يوم الحديبية بأن يكتب: «بسم الله الرحمن الرحيم» ويأبى أن يكتب محمد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فحمدت الله الذي هداه للإسلام.
لقد كان الصديق -رضي الله عنه- أسَدَّ الصحابة رأيًا وأكملهم عقلاً .
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://dynastywarriors.yoo7.com/profile.forum
The Stranger
Marquis
Marquis


ذكر عدد الرسائل : 3357
العمر : 22
الدولة : في عآلم الغربه...
أفضل مملكة : Shu
تاريخ التسجيل : 14/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: سيرة أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-   الخميس 28 يونيو 2012, 10:28 pm

اسف على قلة كتابتي للسيرة لأني حالياً مسافر..
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://dynastywarriors.yoo7.com/profile.forum
داندونه
Marquis
Marquis


انثى عدد الرسائل : 1452
العمر : 22
الدولة : kingdom of saudia arabia
أفضل مملكة : Wei
تاريخ التسجيل : 05/12/2011

مُساهمةموضوع: رد: سيرة أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-   الجمعة 29 يونيو 2012, 12:01 am

لا عادي ولا يهمك
في انتظارك
تروح وترجع بالسلامه
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://dandunah.tumblr.com/
Gazi Faisal Pasha
Lieutenant
Lieutenant


ذكر عدد الرسائل : 458
العمر : 24
أفضل مملكة : Shu
تاريخ التسجيل : 25/06/2012

مُساهمةموضوع: رد: سيرة أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-   السبت 30 يونيو 2012, 5:28 am

رضي الله عنه وأرضاه
وشكرا على هالمجهود الجبار خيوو.
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الغريــب
Grand Marshal
Grand Marshal


ذكر عدد الرسائل : 913
العمر : 26
الدولة : المملكةالعربية السعودية
أفضل مملكة : Wei
تاريخ التسجيل : 14/10/2011

مُساهمةموضوع: رد: سيرة أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-   السبت 30 يونيو 2012, 10:26 am

جزاك الله خير
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
الغريــب
Grand Marshal
Grand Marshal


ذكر عدد الرسائل : 913
العمر : 26
الدولة : المملكةالعربية السعودية
أفضل مملكة : Wei
تاريخ التسجيل : 14/10/2011

مُساهمةموضوع: رد: سيرة أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-   السبت 30 يونيو 2012, 10:26 am

جزاك الله خير
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
The Stranger
Marquis
Marquis


ذكر عدد الرسائل : 3357
العمر : 22
الدولة : في عآلم الغربه...
أفضل مملكة : Shu
تاريخ التسجيل : 14/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: سيرة أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-   الثلاثاء 03 يوليو 2012, 3:11 am

ااه تعبت الجزء ذا طويل شوي عشان الأيام الماضية ما وضعت اجزاء





.........................................................................




خامسًا: في غزوة خيبر، وسرية نجد وبني فزارة:

أ- في خيبر:

ضرب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حصارًا على خيبر واستعد لقتالهم، فكان أول قائد يرسله -صلى الله عليه وسلم- أبا بكر -رضي الله عنه- إلى بعض حصون خيبر، فقاتل ثم رجع، ولم يكن فتح، وقد جهد، ثم بعث عمر فقاتل ثم رجع ولم يكن فتح، ثم قال: «لأعطين الراية غدًا رجلاً يحب الله ورسوله»، فكان علي بن أبي طالب -رضي الله عنه- ، وأشار بعض أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- بقطع النخيل حتى يثخن في اليهود ورضي النبي -صلى الله عليه وسلم- بذلك، فأسرع المسلمون في قطعه، فذهب الصديق إلى النبي -صلى الله عليه وسلم- وأشار عليه بعدم قطع النخيل لما في ذلك من الخسارة للمسلمين سواء
فتحت خيبر عنوة أو صلحًا، فقبل النبي -صلى الله عليه وسلم- مشورة الصديق، ونادى بالمسلمين
بالكف عن قطع النخيل فرفعوا أيديهم .


ب- في نجد:

أخرج ابن سعد عن إياس بن سلمة، عن أبيه، قال: بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبا بكر إلى نجد وأمَّره علينا، فبيتنا ناسًا من هوازن فقتلت بيدي سبعة أهل أبيات، وكان شعارنا: أمت.. أمت .


ج- في بني فزارة:


روى الإمام أحمد من طريق إياس بن سلمة عن أبيه، حدثني أبي، قال: خرجنا مع أبي بكر بن أبي قحافة وأمره النبي -صلى الله عليه وسلم- علينا، فغزونا بني فزارة، فلما دنونا من الماء أمرنا أبو بكر فعرسنا، فلما صلينا الصبح أمرنا أبو بكر فشننا الغارة فقتلنا على الماء مَنْ مر قبلنا، قال سلمة: ثم نظرت إلى عنق من الناس فيه الذرية والنساء نحو الجبل، فرميت بسهم فوقع بينهم وبين الجبل، قال: فجئت بهم أسوقهم إلى أبي بكر حتى أتيته على الماء، وفيهم امرأة عليها قشع من أدم ومعها ابنة لها من أحسن العرب، قال: فنفلني أبو بكر، فما كشفت لها ثوبا حتى قدمت المدينة ثم بت فلم أكشف لها ثوبا، قال: فلقيني رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في السوق فقال لي: «يا سلمة هب لي المرأة» قال: فقلت والله يا رسول الله لقد أعجبتني وما كشفت لها ثوبا، قال: فسكت رسول الله، وتركني حتى إذا كان من الغد لقيني رسول الله في السوق فقال لي: «يا سلمة هب لي المرأة» قال: فقلت: والله يا رسول الله ما كشفت لها ثوبا وهي لك يا رسول الله، قال: فبعث بها رسول الله إلى أهل مكة وفي أيديهم أسارى من المسلمين ففداهم رسول الله بتلك المرأة .


سادسًا: في عمرة القضاء وفي ذات السلاسل:

أ- في عمرة القضاء:

كان الصديق -رضي الله عنه- ضمن المسلمين الذين ذهبوا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ليعتمروا عمرة القضاء مكان عمرتهم التي صدهم المشركون عنها .


ب- في سرية ذات السلاسل:


قال رافع بن عمرو الطائي -رضي الله عنه-: بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عمرو بن العاص على جيش ذات السلاسل ، وبعث معه في ذلك الجيش أبا بكر وعمر -رضي الله عنهما- وسَرَاة أصحابه، فانطلقوا حتى نزلوا جبل طَيّ، فقال عمرو: انظروا إلى رجل دليل بالطريق، فقالوا: ما نعلمه إلا رافع بن عمرو، فإنه كان ربيلا في الجاهلية، قال رافع: فلما قضينا غزاتنا وانتهيت إلى المكان الذي كنا خرجنا منه، توسمت أبا بكر -رضي الله عنه-، وكانت له عباءة فدكية ، فإذا ركب خَلَّها عليه بخلال ، وإذا نزل بسطها، فأتيته فقلت: يا صاحب الخلال، إني توسمتك من بين أصحابك، فائتني بشيء إذا حفظته كنت مثلكم ولا تطول عليَّ فأنسى، فقال: تحفظ أصابعك الخمس؟ قلت: نعم، قال: تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدًا عبده ورسوله، وتقيم الصلوات الخمس، وتؤتي زكاة مالك إن كان لك مال، وتحج البيت، وتصوم رمضان: هل حفظت؟ قلت: نعم، قال: وأخرى، لا يؤمَّرنَّ على اثنين، قلت: وهل تكون الإمرة إلا فيكم أهل المدر؟ فقال: يوشك أن تفشو حتى تبلغك ومن هو دونك، إن الله -عز وجل- لما بعث نبيه -صلى الله عليه وسلم- دخل الناس في الإسلام، فمنهم من دخل لله فهداه الله، ومنهم من أكرهه السيف، فكلهم عُوَّاذ الله وجيران الله وخَفَارةُ الله، إن الرجل إذا كان أميرًا فتظالم الناس بينهم فلم يأخذ لبعضهم من بعض انتقم الله منه، إن الرجل منكم لتؤخذ شاة جاره فيظل ناتئ عضلته غضبًا لجاره، والله من وراء جاره .
ففي هذه النصيحة دروس وعبر لأبناء المسلمين يقدمها الصحابي الجليل أبو بكر الصديق الذي تربى على الإسلام وعلى يد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، من أهمها:
1- أهمية العبادات: الصلاة لأنها عماد الدين، والزكاة والصوم والحج.
2- عدم طلب الإمارة «ولا تكونن أميرًا» تمامًا كما أوصى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبا ذر الغفاري: «وإنها أمانة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة، إلا من أخذها بحقها». ولذلك فإن أبا بكر الفاهم الواعي لكلام حبيبه محمد -صلى الله عليه وسلم- جاء في رواية: وأنه من يك أميرًا فإنه أطول الناس حسابًا، وأغلظهم عذابًا، ومن لا يكن أميرًا فإنه من أيسر الناس حسابًا، وأهونهم عذابًا. فهذا فهم الصديق لمقام الإمارة.
3-إن الله حرم الظلم على نفسه، ونهى عباده أن يتظالموا -أن يظلم بعضهم بعضًا- لأن الظلم ظلمات يوم القيامة، كما نهى عن ظلم المؤمنين: «من آذى لي وليا فقد آذنته بالحرب». وهم جيران الله، وهم عواذ الله، والله أحق أن يغضب لجيرانه.
4- على عهد الصدر الأول كان أمراء الأمة خيارها، وجاء وقت فُشُوّ أمرها «الإمارة» وكثرت حتى نالها من ليس لها بأهل. إن هذه الإمارة ليسيرة، وقد أوشكت أن تفشو حتى ينالها من ليس لها بأهل.
5-وفي غزوة ذات السلاسل ظهر موقف متميز للصديق في احترام الأمراء، مما يثبت أن أبا بكر كان صاحب نفس تنطوي على قوة هائلة، وقدرة متميزة في بناء الرجال، وتقديرهم واحترامهم ، فعن عبد الله بن بريدة قال: بعث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عمرو بن العاص في غزوة ذات السلاسل وفيهم أبو بكر وعمر -رضي الله عنهما- فلما انتهوا إلى مكان الحرب أمرهم عمرو أن لا ينوروا نارا، فغضب عمر وهمَّ أن يأتيه، فنهاه أبو بكر، وأخبره أن الرسول -صلى الله عليه وسلم- لم يستعمله عليك إلا لعلمه بالحرب، فهدأ عنه عمر -رضي الله عنه- .


سابعًا: في فتح مكة وحنين والطائف:

أ- في فتح مكة 8 هـ:

وسبب الفتح بعد هدنة الحديبية ما ذكر ابن إسحاق قال: حدثني الزهري, عن عروة بن الزبير, عن المسور بن مخرمة, ومروان بن الحكم أنهما حدثاه جميعًا قالا: في صلح الحديبية أنه من شاء أن يدخل في عقد محمد دخل, ومن شاء أن يدخل في عقد قريش وعهدهم دخل, فتواثبت خزاعة وقالوا: نحن ندخل في عقد محمد وعهده, وتواثبت بنو بكر وقالوا: نحن ندخل في عقد قريش وعهدهم, فمكثوا في ذلك نحو السبعة أو الثمانية عشر شهرًا, ثم إن بني بكر وثبوا على خزاعة ليلاً بماء يقال له الوتير –وهو قريب من مكة- وقالت قريش ما يعلم بنا محمد, وهذا الليل وما يرانا من أحد فأعانوهم عليهم بالكراع والسلاح وقاتلوهم معهم للضغن على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-, فقدم عمرو بن سالم إلى المدينة فأنشد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قائلاً:


اللهم إني ناشد محمدا
حلف أبينا وأبيك الأتلدا

فانصر هداك الله نصرا أعتدا
وادع عباد الله يأتوا مددا



فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «نصرت يا عمرو بن سالم» .
وتجهز النبي -صلى الله عليه وسلم- مع صحابته للخروج إلى مكة، وكتم الخبر، ودعا الله أن يعمي على قريش حتى تفاجأ بالجيش المسلم يفتح مكة، وخافت قريش أن يعلم النبي -صلى الله عليه وسلم- بما حدث، فخرج أبو سفيان من مكة إلى رسول الله فقال: يا محمد، أشدد العقد، وزدنا في المدة، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ولذلك قدمت؟ هل كان من حدث قبلكم؟» فقال: معاذ الله، نحن على عهدنا وصلحنا يوم الدية لا نغير ولا نبدل، فخرج من عند النبي -صلى الله عليه وسلم- يقصد مقابلة الصحابة
عليهم الرضوان .


1- أبو بكر وأبو سفيان:

طلب أبو سفيان من أبي بكر -رضي الله عنه- أن يجدد العقد ويزيدهم في المدة، فقال أبو بكر: جواري في جوار رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، والله لو وجدت الذر تقاتلكم لأعنتها عليكم. وهنا تظهر فطنة الصديق وحنكته السياسية ثم يظهر الإيمان القوي بالحق الذي هو عليه، ويعلن أمام أبي سفيان دون خوف أنه مستعد لحرب قريش بكل ما يمكن، ولو وجد الذر تقاتل قريشًا لأعانها عليها .


2- بين عائشة وأبي بكر الصديق رضي الله عنهما:


دخل الصديق -رضي الله عنه- على عائشة وهي تغربل حنطة، وقد أمرها النبي -صلى الله عليه وسلم- بأن تخفي ذلك.. فقال لها أبو بكر: يا بنية لم تصنعين هذا الطعام؟ فسكتت، فقال: أيريد رسول الله أن يغزو؟ فصمتت، فقال: لعله يريد بني الأصفر (أي الروم) فصمتت، فقال: لعله يريد قريشا، فصمتت، فدخل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال الصديق له: يا رسول الله، أتريد أن تخرج مخرجًا؟ قال: «نعم» قال: لعلك تريد بني الأصفر؟ قال: «لا» قال: أتريد أهل نجد؟ قال: «لا»، قال: فلعلك تريد قريشًا؟ قال: «نعم»، قال أبو بكر: يا رسول الله، أليس بينك وبينهم مدة؟ قال: «ألم يبلغك ما صنعوا ببني كعب؟».
وهنا سلم أبو بكر للنبي -صلى الله عليه وسلم- وجهز نفسه ليكون مع القائد -صلى الله عليه وسلم- في هذه المهمة الكبرى، وذهب مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المهاجرون والأنصار فلم يتخلف منهم أحد.

3- الصديق في دخول مكة:

لما دخل النبي -صلى الله عليه وسلم- مكة في عام الفتح وكان بجانبه أبو بكر رأى النساء يلطمن وجوه الخيل، فابتسم إلى أبي بكر -رضي الله عنه- وقال: «يا أبا بكر كيف قال حسان؟» فأنشد أبو بكر:
عَدِمْنَا خيلنا إن لم تروها
تثير النقع موعدها كَدَاءُ
يبارينَ الأسنة مصغيات
عن أكتافها الأسلُ الظماء

تظلُّ جيادنا متمطِّراتٍ
تلطمهُنَّ بالْخُمرِ النساءُ

فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «ادخلوها من حيث قال حسان» ، وقد تمت النعمة على الصديق في هذا الجو العظيم بإسلام أبيه أبي قحافة .


ب- في حنين:

أخذ المسلمون يوم حنين درسًا قاسيًا؛ إذ لحقتهم هزيمة في أول المعركة جعلتهم يفرون من هول المفاجأة، وكانوا كما قال الإمام الطبري: فانشمروا لا يلوي أحد على أحد. وجعل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يقول: «أين أيها الناس؟ هلموا إليَّ، أنا رسول الله، أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله، يا معشر الأنصار أنا عبد الله ورسوله» ثم نادى عمه العباس وكان جهوري الصوت، فقال له: «يا عباس ناد: يا معشر الأنصار، يا أصحاب السمرة». كان هذا هو حال المسلمين في أول المعركة، النبي وحده لم يثبت معه أحد إلا قلة، ولم تكن الفئة التي صبرت مع النبي إلا فئة من الصحابة يتقدمهم الصديق -رضي الله عنه-، ثم نصرهم الله بعد ذلك نصرًا عزيزًا مؤزرًا.
وكانت هناك بعض المواقف للصديق منها:


1- فتوى الصديق بين رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:

قال أبو قتادة: لما كان يوم حنين نظرت إلى رجل من المسلمين يقاتل رجلا من المشركين, وآخر من المشركين يختله من ورائه ليقتله، فأسرعت إلى الذي يختله، فرفع يده ليضربني وأضرب يده فقطعتها، ثم أخذني فضمني ضمًّا شديدًا حتى تخوفت، ثم ترك فتحلل ودفعته ثم قتلته، وانهزم المسلمون وانهزمت معهم، فإذا بعمر بن الخطاب في الناس، فقلت له: ما شأن الناس؟ قال: أمر الله، ثم تراجع الناس إلى رسول الله، فقال رسول الله: «من أقام بيِّنة على قتيل قتله فله سلبه» فقمت لألتمس بينة على قتيلي فلم أرَ أحدًا يشهد لي، فجلست، ثم بدا لي فذكرت أمره لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- رجل من جلسائه: سلاح هذا القتيل الذي يذكر عندي، فأرضه منه، فقال أبو بكر: كلا، لا يعطه أصيبغ من قريش ويدع أسدًا من أسد الله يقاتل عن الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم-، قال: فقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأداه إليَّ، فاشتريت منه خَرَفًا ، فكان أول مال تأثَّلته
في الإسلام.
إن مبادرة الصديق في الزجر والردع والفتوى واليمين على ذلك في حضور رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم يصدقه الرسول فيما قال، ويحكم بقوله خصوصية شرف, لم تكن لأحد غيره. ونلحظ في الخبر السابق أن أبا قتادة الأنصاري -رضي الله عنه- حرص على سلامة أخيه المسلم وقتل ذلك الكافر بعد جهد عظيم، كما أن موقف الصديق -رضي الله عنه- فيه دلالة على حرصه على إحقاق الحق والدفاع عنه، ودليل على رسوخ إيمانه وعمق يقينه، وتقديره لرابطة الأخوة الإسلامية، وأنها بمنزلة رفيعة بالنسبة له .


2- الصديق وشعر عباس بن مرداس:


حين استقل العباس بن مرداس عطاءه من غنائم حنين، قال شعرا عاتب فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حيث قال:



كانت نهابا تلافيتها
بِكَرِّي على المهر في الأجرع

وإيقاظي القوم أن يرقدوا
إذا هجع الناس لم أهجع

فأصبح نهبي ونهب العبيد
بين عيينة والأقرع

وقد كنت في الحرب ذا تُدرأ
فلم أُعط شيئا ولم أمنع

إلا أفائل أعطيتها
عديد قوائمها الأربع

وما كان حصن ولا حابس
يفوقان شيخي في المجمع

وما كنت دون امرئ منهما
ومن تضع اليوم لا يُرْفَعِ



فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «اذهبوا به، فأقطعوا عني لسانه»، فأعطوه حتى رَضِي، فكان ذلك قطع لسانه الذي أمر به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- .
وأتى العباس رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: أنت القائل: «فأصبح نهبي ونهب العبيد بين الأقرع وعيينة»؟ فقال أبو بكر: بين عيينة والأقرع، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «هما واحد»، فقال أبو بكر: أشهد أنك كما قال الله تعالى: +وَمَا عَلَّمْنَاهُ الشِّعْرَ وَمَا يَنبَغِي لَهُ إِنْ هُوَ إِلاَّ ذِكْرٌ وَقُرْآنٌ مُّبِينٌ" [يس: 69] .


ج- في الطائف:


في حصار الطائف وقعت جراحات في أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- وشهادة، ورفع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عن أهل الطائف الحصار ورجع إلى المدينة، وممن استشهد من المسلمين في هذه الغزوة
عبد الله بن أبي بكر رضي الله عنهما، رمي بسهم فتوفي منه بالمدينة بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-.
وعندما قدم وفد ثقيف للمدينة ليعلنوا إسلامهم، فما إن ظهر الوفد قرب المدينة حتى تنافس كل من أبي بكر والمغيرة على أن يكون هو البشير بقدوم الوفد للرسول -صلى الله عليه وسلم-، وفاز الصديق بتلك البشارة ، وبعد أن أعلنوا إسلامهم وكتب لهم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كتابهم وأراد أن يؤمر عليهم أشار أبو بكر بعثمان بن أبي العاص وكان أحدثهم سنًا، فقال الصديق: يا رسول الله، إني رأيت هذا الغلام من أحرصهم على التفقه في الإسلام وتعلم القرآن. فقد كان عثمان بن أبي العاص كلما نام قومه بالهاجرة، عمد إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فسأله في الدين واستقرأه القرآن حتى فقه في الدين وعلم، وكان إذا وجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- نائمًا عمد إلى أبي بكر، وكان يكتم ذلك عن أصحابه، فأعجب ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وعجب منه وأحبه.
وعندما علم الصديق بصاحب السهم الذي أصاب ابنه كانت له مقولة تدل على عظمة إيمانه، فعن القاسم بن محمد قال: رمي عبد الله بن أبي بكر -رضي الله عنهما- بسهم يوم الطائف، فانتفضت به بعد وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بأربعين ليلة، فمات، فقدم عليه وفد ثقيف ولم يزل ذلك السهم عنده، فأخرجه إليهم فقال: هل يعرف هذا السهم منكم أحد؟ فقال سعيد ابن عبيد، أخو بني عجلان: هذا سهم أنا بَرَيتُه ورشته وعقبته ، وأنا رميت به، فقال أبو بكر -رضي الله عنه-: فإن هذا السهم الذي قتل عبد الله بن أبي بكر، فالحمد لله الذي أكرمه بيدك، ولم يهنك بيده فإنه أوسع لكما .


ثامنًا: في غزوة تبوك، وإمارة الحج، وفي حجة الوداع:


أ- في تبوك: خرج رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بجيش عظيم في غزوة تبوك بلغ عدده ثلاثين ألفًا، وكان يريد قتال الروم بالشام، وعندما تجمع المسلمون عند ثنية الوداع بقيادة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، اختار الأمراء والقادة وعقد الألوية والرايات لهم، فأعطى لواءه الأعظم إلى أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-. وفي هذه الغزوات ظهرت بعض المواقف للصديق منها:
1- موقفه من وفاة الصحابي عبد الله ذي البجادين -رضي الله عنه-: قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: قمت في جوف الليل وأنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في غزوة تبوك، قال: فرأيت شعلة من نار من ناحية العسكر، قال فاتبعتها أنظر إليها، فإذا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وأبو بكر وعمر، وإذا عبد الله ذو البجادين المزني قد مات، وإذا هم قد حفروا له، ورسول الله في حضرته، وأبو بكر وعمر يدليانه إليه، وهو يقول: «أدليا إليَّ أخاكما»، فدلياه إليه، فلما هيأه بشقه قال: «اللهم إني أمسيت راضيًا عنه فارض عنه». قال الراوي (عبد الله بن مسعود): يا ليتني كنت صاحب الحفرة .
وكان الصديق -رضي الله عنه- إذا دخل الميت اللحد قال: بسم الله، وعلى ملة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وباليقين وبالبعث بعد الموت .
2- طلب الصديق من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الدعاء للمسلمين: قال عمر بن الخطاب: خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد، فنزلنا منزلاً وأصابنا فيه عطش حتى ظننا أن رقابنا ستقطع، حتى إن الرجل لينحر بعيره فيعتصر فرثه فيشربه، ثم يجعل ما بقي على كبده، فقال أبو بكر الصديق: يا رسول الله، إن الله قد عودك في الدعاء خيرًا، فادع الله، قال: «أتحب ذلك؟»، قال: نعم، فرفع يديه فلم يردهما حتى قالت السماء أي: تهيأت لإنزال مائها -فأطلت- أي: أنزلت مطرًا خفيفًا- ثم سكبت، فملأوا ما معهم، ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر.
3- نفقة الصديق في تبوك: حث رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الصحابة في غزوة تبوك على الإنفاق بسبب بعدها وكثرة المشركين فيها، ووعد المنفقين بالأجر العظيم من الله، فأنفق كلٌّ حسب مقدرته، وكان عثمان -رضي الله عنه- صاحب القدح المعلى في الإنفاق في هذه الغزوة .
وتصدق عمر بن الخطاب بنصف ماله وظن أنه سيسبق أبا بكر بذلك، ونترك الفاروق يحدثنا بنفسه عن ذلك حيث قال: أمرنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يومًا أن نتصدق، فوافق ذلك مالاً عندي، فقلت: اليوم أسبق أبا بكر إن سبقته يومًا، فجئت بنصف مالي، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما أبقيت لأهلك؟» قلت: مثله. وأتى أبو بكر -رضي الله عنه- بكل ما عنده، فقال له رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما أبقيت لأهلك؟» قال: أبقيت لهم الله ورسوله، قلت: لا أسابقك إلى شيء أبدًا.
كان فعل عمر فيما فعله من المنافسة والغبطة مباحًا، ولكن حال الصديق -رضي الله عنه- أفضل منه؛ لأنه خالٍ من المنافسة مطلقا ولا ينظر إلى غيره .


ب- الصديق أمير الحج 9 هـ: كانت تربية المجتمع وبناء الدولة في عصر النبي -صلى الله عليه وسلم- مستمرة على جميع الأصعدة والمجالات العقائدية والاقتصادية والاجتماعية، والسياسية والعسكرية والتعبدية، وكانت فريضة الحج لم تمارس في السنوات الماضية، وحجة عام 8هـ بعد الفتح كلف بها عتاب بن أسيد، ولم تكن قد تميزت حجة المسلمين عن حجة المشركين ، فلما حل موسم الحج أراد الحجَ -صلى الله عليه وسلم- ولكنه قال: «إنه يحضر البيت عراة مشركون يطوفون بالبيت، فلا أحب أن أحج حتى لا يكون ذلك»، فأرسل النبي -صلى الله عليه وسلم- الصديق أميرًا على الحج سنة تسع من الهجرة، فخرج أبو بكر الصديق بركب الحجيج، ونزلت سورة براءة فدعا النبي -صلى الله عليه وسلم- عليًا -رضي الله عنه-، وأمره أن يلحق بأبي بكر -رضي الله عنه-، فخرج على ناقة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- العضباء حتى أدرك الصديق أبا بكر بذي حليفة، فلما رآه الصديق قال له: أمير أم مأمور؟ فقال: بل مأمور، ثم سار، فأقام أبو بكر للناس الحج على منازلهم التي كانوا عليها في الجاهلية، وكان الحج في هذا العام في ذي الحجة كما دلت على ذلك الروايات الصحيحة، لا في شهر ذي القعدة كما قيل، وقد خطب الصديق قبل التروية، ويوم عرفة، ويوم النحر، ويوم النفر الأول فكان يعرف الناس مناسكهم في وقوفهم وإفاضتهم، ونحرهم، ونفرهم، ورميهم للجمرات... إلخ. وعلي بن أبي طالب يخلفه في كل موقف من هذه المواقف فيقرأ على الناس صدر سورة براءة، ثم ينادي في الناس بهذه الأمور الأربعة: «لا يدخل الجنة إلا مؤمن، ولا يطوف بالبيت عريان، ومن كان بينه وبين رسول الله عهد فعهده إلى مدته، ولا يحج بعد العام مشرك» . وقد أمر الصديق أبا هريرة في رهط آخر من الصحابة لمساعدة علي بن أبي طالب في إنجاز مهمته .
وفد كلف النبي -صلى الله عليه وسلم- عليًا بإعلان نقض العهود على مسامع المشركين في موسم الحج، مراعاة لما تعارف عليه العرب فيما بينهم من عقد العهود ونقضها أن لا يتولى ذلك إلا سيد القبيلة أو رجل من رهطه، وهذا العرف ليس فيه منافاة للإسلام، فلذلك تدارك النبي -صلى الله عليه وسلم- الأمر وأرسل عليًّا بذلك، فهذا هو السبب في تكليف علي -صلى الله عليه وسلم- بتبليغ صدر سورة براءة، لا ما زعمته الرافضة من أن ذلك للإشارة إلى أن عليًّا -رضي الله عنه- أحق بالخلافة من أبي بكر، وقد علق على ذلك الدكتور محمد أبو شهبة فقال: ولا أدري كيف غفلوا عن قول الصديق له: أمير أم مأمور؟ وكيف يكون المأمور أحق بالخلافة من الأمير .
وقد كانت هذه الحجة بمثابة التوطئة للحجة الكبرى وهي حجة الوداع. لقد أعلن في حجة أبي بكر أن عهد الأصنام قد انقضى، وأن مرحلة جديدة قد بدأت، وما على الناس إلا أن يستجيبوا لشرع الله تعالى، فبعد هذا الإعلان الذي انتشر بين قبائل العرب في الجزيرة، أيقنت تلك القبائل أن الأمر جد، وأن عهد الوثنية قد انقضى فعلاً، فأخذت ترسل وفودها معلنة إسلامها ودخلوها في التوحيد .


ج- في حجة الوداع: روى الإمام أحمد -رحمه الله- بسنده إلى عبد الله بن الزبير عن أبيه أن أسماء بنت أبي بكر قالت: خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حجاجًا، حتى إذا أدركنا (العرج) نزل رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فجلست عائشة جنب النبي -صلى الله عليه وسلم-، وزمالة أبي بكر مع غلام لأبي بكر فجلس أبو بكر ينتظر أن يطلع عليه، فطلع وليس معه بعيره!! فقال: أين بعيرك؟ فقال: أضللته البارحة! فقال أبو بكر: بعير واحد تضله! فطفق يضربه ورسول الله يبتسم ويقول: «انظروا إلى هذا المحرم وما يصنع» .
* * *



..........................



تعبت بأكتب تكملة الجزء بعد ما ارتاح برد جديد ان شاء الله...
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://dynastywarriors.yoo7.com/profile.forum
The Stranger
Marquis
Marquis


ذكر عدد الرسائل : 3357
العمر : 22
الدولة : في عآلم الغربه...
أفضل مملكة : Shu
تاريخ التسجيل : 14/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: سيرة أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-   الخميس 19 يوليو 2012, 8:34 am


المبحث الخامس

الصديق في المجتمع المدني
وبعض صفاته وشيء من فضائله

تمهيد:
كانت حياة الصديق في المجتمع المدني مليئة بالدروس والعبر، وتركت لنا نموذجًا حيًّا لفهم الإسلام وتطبيقه في دنيا الناس، وقد تميزت شخصية الصديق بصفات عظيمة ومدحه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في أحاديث كثيرة، وبيَّن فضله وتقدمه على كثير من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين.


أولا: من مواقفه في المجتمع المدني:

1- موقفه من (فنحاص) الحبر اليهودي:

ذكر غير واحد من كُتَّاب السير والمفسرين أن أبا بكر -رضي الله عنه- دخل بيت المدراس على يهود، فوجد منهم ناسا قد اجتمعوا إلى رجل منهم يقال له فنحاص، وكان من علمائهم وأحبارهم، ومعه حبر من أحبارهم، يقال له أشيع ، فقال أبو بكر لفنحاص: ويحك! اتق الله وأسلم، فوالله إنك تعلم أن محمدًا لرسول الله، قد جاءكم بالحق من عنده، تجدونه مكتوبًا عندكم في التوراة والإنجيل. فقال فنحاص لأبي بكر: والله يا أبا بكر، ما بنا إلى الهب من فقر، وإنه إلينا لفقير، وما نتضرع إليه كما يتضرع إلينا، وإنا عنه لأغنياء وما هو عنا بغني، ولو كان عنا غنيًا ما استقرضنا أموالنا كما يزعم صاحبكم، ينهاكم عن الربا ويعطيناه، ولو كان عنا غنيًا ما أعطانا الربا. فغضب أبو بكر، فضرب وجه فنحاص ضربًا شديدًا، وقال: والذي نفسي بيده لولا العهد الذي بيننا وبينك لضربت رأسك أي عدو الله. فذهب فنحاص إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: يا محمد، انظر ما صنع بي صاحبك، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر: «ما حملك على ما صنعت؟» فقال أبو بكر: يا رسول الله، إن عدو الله قال قولاً عظيمًا، إنه يزعم أن الله فقير وأنهم أغنياء، فلما قال ذلك غضبت لله مما قال، وضربت وجهه، فجحد ذلك فنحاص وقال: ما قلت ذلك، فأنزل الله تعالى فيما قال فنحاص ردًّا عليه وتصديقًا لأبي بكر: +لَقَدْ سَمِعَ اللهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَنَقُولُ ذُوقُوا عَذَابَ الْحَرِيقِ" [آل عمران: 181].
ونزل في أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، وما بلغه في ذلك من الغضب قوله تعالى: +لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذًى كَثِيرًا وَإِن تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ" [آل عمران: 186].

2- حفظ سر النبي -صلى الله عليه وسلم-:
قال عمر بن الخطاب: تأيمت حفصة من خنيس بن حذافة، وكان ممن شهد بدرًا، فلقيت عثمان بن عفان فقلت: إن شئت أنكحتك حفصة، فقال: أنظر، ثم لقيني فقال: قد بدا لي أن لا أتزوج يومي هذا، فلقيت أبا بكر فعرضتها عليه فصمت، فكنت عليه أوجد مني على عثمان، فلبثت ليالي ثم خطبها رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأنكحتها إياه، ثم لقيني أبو بكر فقال: لعلك وجدت عليَّ حين لم أرجع إليك؟ فقلت: أجل، فقال: إنه لم يمنعني أن أرجع إليك إلا أني علمت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد ذكرها، فلم أكن لأفشي سر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ولو تركها لنكحتها .
3- الصديق وآية صلاة الجمعة:

قال جابر بن عبد الله: بينما النبي -صلى الله عليه وسلم- يخطب يوم الجمعة، وقدمت عير المدينة، فابتدرها أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى لم يبق معه إلا اثنا عشر رجلا، فنزلت هذه الآية: +وَإِذَا رَأَوْا تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انْفَضُّوا إِلَيْهَا وَتَرَكُوكَ قَائِمًا قُلْ مَا عِنْدَ اللهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ وَاللهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ"
[الجمعة: 11]، وقال: في الاثني عشر الذين ثبتوا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أبو بكر وعمر .

4- رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ينفي الخيلاء عن أبي بكر:
قال عبد الله بن عمر -رضي الله عنهما-: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من جر ثوبه خيلاء لم ينظر الله إليه يوم القيامة». فقال أبو بكر: إن أحد شقي يسترخي إلا أن أتعاهد ذلك منه، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إنك لست تصنع ذلك خيلاء» .

5- الصديق وتحريه الحلال:
عن قيس ابن أبي حازم قال: كان لأبي بكر غلام، فكان إذا جاء بغلته لم يأكل من غلته حتى يسأل، فإن كان شيئًا مما يحب أكل، وإن كان شيئًا يكره لم يأكل، قال: فنسي ليلة فأكل ولم يسأله، ثم سأله فأخبره أنه من شيء كرهه، فأدخل يده فتقيأ حتى لم يترك شيئًا.
فهذا مثال على ورع أبي بكر -رضي الله عنه-؛ حيث كان يتحرى الحلال في مطعمه ومشربه، ويتجنب الشبهات، وهذه الخصلة تدل على بلوغه درجات عُليا في التقوى. ولا يخفى أهمية طيب المطعم والمشرب والملبس في الدين، وعلاقة ذلك بإجابة الدعاء ، كما في حديث الأشعث الأغبر وفيه: «يمد يديه إلى السماء: يا رب يا رب ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغُذي بالحرام، فأنى يُستجاب لذلك» .

6- أدخلاني في سلمكما كما أدخلتماني في حربكما:
دخل أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- على النبي -صلى الله عليه وسلم- فسمع صوت ابنته عائشة عاليًا، فلما اقترب منها تناولها ليلطمها وقال: أراك ترفعين صوتك على رسول الله، فجعل رسول الله يحجزه، وخرج أبو بكر مغضبًا، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم- لعائشة حين خرج أبي بكر: «أرأيت كيف أنقذتك من الرجل؟»، فمكث أبو بكر أيامًا ثم استأذن على رسول الله فوجدهما قد اصطلحا، فقال لهما: أدخلاني في سلمكما، كما أدخلتماني في حربكما، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «قد فعلنا» .

7- أمره بالمعروف ونهيه عن المنكر:
دخل أبو بكر على عائشة -رضي الله عنها- في أيام العيد، وعندها جاريتان من جواري الأنصار تغنيان، فقال أبو بكر -رضي الله عنه-: أبمزمار الشيطان في بيت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معرضًا بوجهه عنهما، مقبلاً بوجهه الكريم إلى الحائط، فقال: «يا أبا بكر، إن لكل قوم عيدًا، وهذا عيدنا» .
ففي الحديث بيان أن هذا لم يكن من عادة النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصحابه الاجتماع عليه، ولهذا سماه الصديق مزمار الشيطان، والنبي -صلى الله عليه وسلم- أقر الجواري عليه معللاً ذلك بأنه يوم
عيد، والصغار يرخص لهم في اللعب في الأعياد، كما جاء في الحديث: «ليعلم المشركون أن في ديننا فسحة».
وكان لعائشة لعب تلعب بهن ويجئن صواحباتها من صغار النسوة يلعبن معها، وليس في حديث الجاريتين أن النبي -صلى الله عليه وسلم- استمع إلى ذلك، والأمر والنهي إنما يتعلق بالاستماع لا بمجرد السماع. ومن هذا نفهم أنه يرخص لمن صلح له اللعب أن يلعب في الأعياد، كالجاريتين الصغيرتين من الأنصار اللتين تغنيان في العيد في بيت عائشة .

8- إكرامه للضيوف:
قال عبد الرحمن بن أبي بكر -رضي الله عنهما-: أن أصحاب الصفة كانوا أناسًا فقراء، وأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال مرة: من كان عنده طعام اثنين فليذهب بثالث، ومن كان عنده طعام أربعة فليذهب بخامس، وإن أبا بكر جاء بثلاث... وإن أبا بكر تعشى عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فجاء بعد أن مضى من الليل ما شاء الله تعالى، قالت له امرأته: ما حبسك عن أضيافك؟ أو قالت: عن ضيفك، قال: وما عشيتهم؟ قالت: أبوا حتى تجيء، وقد عرضوا عليهم فغلبوهم. قال: فذهبت أنا فاختبأت، فقال: يا غنثر فجدع وسب، وقال: كلوا هنيئًا وقال: والله لا أطعم أبدًا، وحلف الضيف أن لا يطعمه حتى يطعم أبو بكر، فقال أبو بكر: هذه من الشيطان، قال: فدعا بالطعام فأكل، فقال: وايم الله ما كنا نأخذ لقمة إلا رَبَا من أسفلها أكثر منها، فقال: حتى شبعوا وصارت أكثر مما كانت قبل ذلك، فنظر إليها فإذا هي كما هي وأكثر، فقال لامرأته: يا أخت بني فراس ما هذا؟ قالت: لا وقرة عيني هي الآن لأكثر منها قبل ذلك بثلاث مرات، فأكل أبو بكر وقال: إنما كان ذلك من الشيطان -يعني يمينه- ثم أكل منها لقمة ثم حملها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فأصبحت عنده، وكان بيننا وبين القوم عقد فمضى الأجل فتفرقنا اثني عشر رجلا، مع كل واحد منهم أناس الله أعلم كم مع كل رجل منهم فأكلوا منها أجمعين .

وفي هذه القصة دروس وعبر، منها:
أ- حرص الصديق على تطبيق الآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تحث على إكرام الضيف، مثل قوله تعالى: +فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ قَالَ أَلاَ تَأْكُلُونَ" [الذاريات: 27]. وقول الرسول -صلى الله عليه وسلم-: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه» .

ب- وفي هذه القصة كرامة للصديق؛ حيث جعل لا يأكل لقمة إلا رَبَا من أسفلها أكثر منها فشبعوا، وصارت أكثر مما هي قبل ذلك، فنظر إليها أبو بكر وامرأته فإذا هي أكثر مما كانت، فرفعها إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وجاء إليه أقوام كثيرون فأكلوا منها وشبعوا. وهذه الكرامة حصلت ببركة اتباع الصديق لرسول الله -صلى الله عليه وسلم- في جميع أحواله، وهي تدل على مقام الولاية للصديق، فأولياء الله هم المقتدون بمحمد -صلى الله عليه وسلم-، فيفعلون ما أمر به وينتهون عما زجر، ويقتدون به فيما بين لهم أن يتبعوه فيه، فيؤيدهم بملائكته وروح منه، ويقذف الله في قلوبهم من أنواره، ولهم الكرامات التي يكرم الله بها أولياءه المتقين .

ج- تقول السيدة عائشة -رضي الله عنها-: إن أبا بكر لم يحنث في يمين قط حتى أنزل الله كفارة اليمين، فقال: لا أحلف على يمين فرأيت غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وكفرت عن يميني. فكان إذا حلف على شيء ورأى غيره خيرًا منه كفر وأتى الذي هو خير. وفي هذه القصة ما يدل على ذلك؛ حيث ترك يمينه الأولى إكرامًا لضيوفه
وأكل معهم .

9- ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر:
قالت عائشة -رضي الله عنها-: خرجنا مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بعض أسفاره، حتى إذا كنا بالبيداء أو بذات الجيش انقطع عقد لي، فأقام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على التماسه، وأقام الناس معه، وليس على ماء وليس معهم ماء، فأتى الناس أبا بكر فقالوا: ألا ترى ما صنعت عائشة؟ أقامت برسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبالناس معه وليسوا على ماء وليس معهم ماء، فجاء أبو بكر ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- واضع رأسه على فخذي قد نام، فقال: حبست رسول الله -صلى الله عليه وسلم- والناس، وليسوا على ماء وليس معهم ماء، قلت: فعاتبني وقال ما شاء الله أن يقول، وجعل يطعنني بيده في خاصرتي فلا يمنعني من التحرك إلا مكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على فخذي، فنام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حتى أصبح على غير ماء، فأنزل الله آية التيمم: +فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا" [النساء: 43]. فقال أسيد بن حضير: ما هي بأول بركتكم يا آل أبي بكر، فقالت عائشة: فبعثنا البعير الذي كنت عليه فوجدنا العقد تحته» .
وفي هذه القصة يظهر حرص الصديق على التأدب مع رسوله، وحساسيته الشديدة على أن لا يضايقه شيء، ولا يقبل ذلك ولو كان من أقرب الناس وأحبهم إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، كعائشة رضي الله عنها، فقد كان -رضي الله عنه- قدوة للدعاة في الأدب الجم مع النبي -صلى الله عليه وسلم- ومع نفسه ومع المسلمين .

10- انتصار النبيُّ -
صلى الله عليه وسلم- للصديق -رضي الله عنه-:
لقد ثبت من الأحاديث الصحيحة ما يدل على أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان ينتصر لأبي بكر وينهى الناس عن معارضته؛ فعن أبي الدرداء -رضي الله عنه- قال: كنت جالسًا مع النبي -صلى الله عليه وسلم- إذ أقبل أبو بكر آخذًا بطرف ثوبه حتى أبدى عن ركبته، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أما صاحبكم فقد غامر»، فسلم، وقال: يا رسول الله، إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت إليه ثم ندمت، فسألته أن يغفر لي فأبى عليَّ، فأقبلت إليك، فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثا، ثم إن عمر ندم فأتى منزل أبي بكر فسأل: أثم أبو بكر؟ قالوا: لا. فأتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فسلم عليه، فجعل وجه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يتمعر ، حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه، فقال: يا رسول الله، والله أنا كنت أظلم مرتين ، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «إن الله بعثني إليكم فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدق، وواساني بنفسه وماله،فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟» مرتين. فما أوذي بعدها.
وفي هذه القصة دروس وعبر كثيرة، منها: الطبيعة البشرية للصحابة وما يحدث بينهم من خلاف، وسرعة رجوع المخطئ وطلب المغفرة والصفح من أخيه، وتواد الصحابة فيما بينهم، ومكانة الصديق الرفيعة عند رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ثم أصحابه... إلخ.

11- قل: غفر الله لك يا أبا بكر.

قال ربيعة الأسلمي -رضي الله عنه-: كنت أخدم النبي -صلى الله عليه وسلم-... وذكر حديثًا ثم قال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أعطاني بعد ذلك أرضًا وأعطى أبا بكر أرضًا، وجاءت الدنيا فاختلفنا في عذق نخلة، فقلت أنا: هي في حدي، وقال أبو بكر: هي في حدي، فكان بيني وبين أبي بكر كلام، فقال أبو بكر كلمة كرهها، وندم، فقال أبو بكر: لتقولن أو لأستعدين عليك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقلت: ما أنا بفاعل، قال: ورفض الأرض ، وانطلق أبو بكر -رضي الله عنه- إلى النبي -صلى الله عليه وسلم-، وانطلقت أتلوه، فجاء ناس من أسلم فقالوا لي: رحم الله أبا بكر، في أي شيء يستعدي عليك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو قد قال لك ما قال؟ قلت: أتدرون من هذا؟ هذا أبو بكر الصديق، هذا ثاني اثنين، وهذا ذو شيبة المسلمين، إياكم لا يلتفت فيراكم تنصروني عليه فيغضب، فيأتي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فيغضب لغضبه، فيغضب الله -عز وجل- لغضبهما فيهلك ربيعة، قال: ما تأمرنا؟ قال: ارجعوا، قال: فانطلق أبو بكر -رضي الله عنه- إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فتتبعته وحدي حتى أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فحدثه الحديث كما كان، فرفع إليَّ رأسه فقال: يا ربيعة، ما لك وللصديق؟ قلت: يا رسول الله، كان كذا.. كان كذا، قال لي كلمة كرهها فقال: قل لي كما قلت حتى يكون قصاصا فأبيت، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أجل فلا ترد عليه، ولكن قل: غفر الله لك يا أبا بكر»، فقلت: غفر الله لك يا أبا بكر. قال الحسن البصري: ولى أبو بكر -رضي الله عنه- وهو يبكي .
لله أي وجدان هذا الوجدان، وأي نفس تلك النفس!! بادرة بدرت منها لمسلم فلم ترضَ إلا اقتصاصه منها، وصفحه عنها، تناهيًا بالفضيلة، واستمساكًا بالأدب، وشعورًا تمكن من الجوانح، وأخذ بمجامع القلوب، فكانت عنده زلة اللسان -ولو صغيرة- ألمًا يتململ منه الضمير فلا يستريح إلا بالقصاص منه، ورضا ذلك المسلم عنه .
كانت كلمة هينة، ولكنها أصابت من ربيعة موجعًا.. فإذا أبو بكر يزلزل من أجلها، ويأبى إلا القصاص عليها، مع أنه يومئذ كان الرجل الثاني في الإسلام بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهي كلمة لا يمكن أن تكون من فُحش القول أبدًا؛ لأن أخلاقه لم تسمح بهذا، ولم يؤثر عنه حتى في الجاهلية شيء من هذا .
لقد خشي الصديق مغبة تلك الكلمة ولهذا اشتكى لرسول الله، وهذا أمر عجيب، فإن أبا بكر قد نسي أرضه ونسي قضية الخلاف، وشغل باله أمر تلك الكلمة لأن حقوق العباد لا بد فيها من عفو صاحب الحق. وفي هذا درس للشيوخ والعلماء الحكماء والدعاة في كيفية معالجة الأخطاء ومراعاة حقوق الناس وعدم الدوس عليها بالأرجل.
وقد استنكر قوم ربيعة أن يذهب أبو بكر يشتكي إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو الذي قال ما قال، ولم يعلموا ما عمله أبو بكر من لزوم إنهاء قضايا الخصومات، وإزالة ما قد يعلق في القلوب من الموجدة في الدنيا قبل أن يكتب ذلك في الصحف ويترتب عليه الحساب يوم القيامة.
وبالرغم مما ظهر من رضا ربيعة وتوجيه النبي -صلى الله عليه وسلم- إلى عدم الرد على أبي بكر، فإن أبا بكر قد بكى من خشية الله تعالى، وهذا دليل على قوة إيمانه، ورسوخ يقينه.
وأخيرًا موقف يذكر لربيعة بن كعب الأسلمي -رضي الله عنه-، حيث قام بإجلال أبي بكر -رضي الله عنه- وأبى أن يرد عليه بالمثل، هذا من تقدير أهل الفضل والتقدم والمعرفة بحقهم، وهو دليل على قوة الدين ورجاحة العقل .

12- مسابقته في الخيرات:

اتصف الصديق -رضي الله عنه- بالأخلاق الحميدة، والصفات الرفيعة ومسابقته في الخيرات حتى صار في الخير قدوة، وفي مكارم الأخلاق أسوة، وكان حريصًا أشد الحرص على الخيرات، فقد أيقن أن ما يمكن أن يقوم به المرء اليوم قد يكون غير ممكن في الغد، فاليوم عمل ولا حساب، وغدًا حساب ولا عمل، ولذلك كان من المسارعين في الخيرات؛ فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من أصبح منكم اليوم صائمًا؟» قال أبو بكر: أنا. قال: «فمن تبع منكم اليوم جنازة؟». قال أبو بكر: أنا. قال: «فمن أطعم منكم اليوم مسكينًا؟». قال أبو بكر: أنا. قال: «فمن عاد منكم اليوم مريضًا؟». قال أبو بكر: أنا. فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «ما اجتمعن في امرئ إلا دخل الجنة» .

13-كظمه للغيظ:

قال أبو هريرة -رضي الله عنه-: إن رجلاً شتم أبا بكر ورسول الله -صلى الله عليه وسلم- جالس، فجعل النبي -صلى الله عليه وسلم- يعجب ويبتسم، فلما أكثر الرجل رد عليه أبو بكر بعض قوله، فغضب النبي -صلى الله عليه وسلم- وقام، فلحقه أبو بكر وقال: يا رسول الله، كان يشتمني وأنت جالس، فلما أكثر رددت عليه بعض قوله غضبت وقمت!! فقال عليه الصلاة والسلام: «إنه كان معك ملك يرد عنك، فلما رددت عليه بعض قوله وقع الشيطان، فلم أكن لأقعد مع الشيطان». ثم قال: «يا أبا بكر، ثلاث كلهن حق: ما من عبد ظلم بمظلمة فيغضي عنها لله -عز وجل- إلا أعز الله بها نصره، وما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة، وما فتح رجل باب مسألة يريد بها كثرة إلا زاده الله بها قلة». إن الصديق -رضي الله عنه- اتصف بكظم الغيظ ولكنه رد ما ظن أنه به يسكت هذا الرجل، فرغَّبه النبي -صلى الله عليه وسلم- في الحلم والأناة، وأرشده إلى ضرورة تحليه بالصبر في مواطن الغيظ، فإن الحلم وكظم الغيظ مما يزيد المرء ويجمله في أعين الناس، ويرفع قدره عند الله تعالى.
ويتبين لنا كذلك من هذا الموقف حرص الصديق -رضي الله عنه- على عدم إغضاب النبي -صلى الله عليه وسلم- والمسارعة إلى إرضائه، وفي ذم الغضب للنفس، والنهي عنه والتحذير منه، واعتزال الأنبياء للمجالس التي يحضرها الشيطان، وبيان الفضل للمظلوم الصابر المحتسب للأجر والثواب، وفيه حث على العطايا، وصلة الأرحام، وذم للمسألة وأهلها.
وظل الصديق متمسكًا بالحلم وكظم الغيظ حتى عُرف بالحلم والأناة، ولين الجانب والرفق، وهذا لا يعني أن أبا بكر لم يكن يغضب، وإنما كان غضبه لله تعالى، فإذا رأى محارم الله قد انتهكت غضب لذلك غضبًا شديدًا .
لقد عاش بعد رسول الله -صلى الله عليه وسلم- متأملاً ومتفكرًا وعاملاً بقوله تعالى: +وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالأَرْضُ أُعِدِّتْ لِلْمُتَّقِينَ  الَّذِينَ يُنْفِقُونَ فِي السَّرَّاءِ وَالضَّرَّاءِ وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ" [آل عمران: 133- 134].

14- بلى والله، إني أحب أن يغفر الله لي.

كان أبو بكر -رضي الله عنه- يَعُول مسطح بن أثاثة، فلما قال في عائشة -رضي الله عنها- ما قال (حديث الإفك المشهور) أقسم بالله أبو بكر ألا ينفعه أبدًا، فلما أنزل الله -عز وجل-: +وَلاَ يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَّغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ" [النور: 22] قال أبو بكر: والله إني أحب أن يغفر الله لي. فرجع إلى النفقة التي كان ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها منه أبدًا.
ولقد فهم الصديق من الآية بأن على المؤمن التخلق بأخلاق الله، فيعفو عن الهفوات والزلات والمزالق، فإن فعل فالله يعفو عنه ويستر ذنوبه، وكما تدين تدان، والله سبحانه قال: +أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَّغْفِرَ اللهُ لَكُمْ"أي: كما تحبون عفو الله عن ذنوبكم فكذلك اغفروا لمن دونكم. وكما أن في الآية من حلف على شيء ألا يفعله، فرأى أن فعله أولى من تركه، أتاه وكفر عن يمينه. وقال بعض العلماء: هذه أرجى آية في كتاب الله تعالى؛ من حيث لطف الله بالقذفة العصاة بهذا اللفظ .
لقد دلت هذه الآية على أن أبا بكر أفضل الناس عند النبي -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن الله وصفه بصفات عجيبة في هذه الآية، دلت على علو شأنه في الدين. أورد الرازي في تفسيره أربع عشرة صفة مستنبطة من هذه الآية: +وَلاَ يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ"منها: أنه وصفه بأنه صاحب الفضل على الإطلاق من غير تقييد لذلك بشخص دون شخص، والفضل يدخل فيه الإفضال، وذلك يدخل على أنه -رضي الله عنه- كان فاضلاً على الإطلاق، وكان مفضلا على الإطلاق، ومنها أنه لما وصفه تعالى بأنه (أولو الفضل والسعة) بالجمع لا بالواحد وبالعموم لا بالخصوص على سبيل المدح، وجب أن يقال: إنه كان خاليًا عن المعصية؛ لأن الممدوح إلى هذا الحد لا يكون من أهل النار .

15- خروجه للتجارة من المدينة إلى الشام:

خرج أبو بكر الصديق -رضي الله عنه- للتجارة إلى بصرى ببلاد الشام في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، ما منعه حبه لملازمة النبي -صلى الله عليه وسلم- من الذهاب للتجارة، ولا منع النبي -صلى الله عليه وسلم- الصديق من ذلك مع شدة حبه له. وفي هذا أهمية أن يكون للمسلم مصدر رزق يستغني به عن سؤال الناس، بل ويساهم بهذا الرزق في إغاثة الملهوف، وفك العاني، ويسارع في أبواب الإنفاق التي يحبها الله.

16- غيرة الصديق -رضي الله عنه- وتزكية النبي -صلى الله عليه وسلم- لزوجه:

قال عبد الله بن عمرو بن العاص: إنَّ نفرًا من بني هاشم دخلوا على أسماء بنت عميس، فدخل أبو بكر الصديق وهي تحته يومئذ فرآهم، فكره ذلك، فذكر ذلك لرسول الله، فقال: إن الله تعالى قد برأها من ذلك، ثم قام رسول الله -صلى الله عليه وسلم- على المنبر فقال: «لا يدخل رجل بعد يومي هذا على مغيبة إلا ومعه رجل أو اثنان»

17- خوفه من الله تعالى:

عن أنس -رضي الله عنه- قال: خطبنا رسول الله -صلى الله عليه وسلم- خطبة ما سمعت مثلها قط، فقال: «لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً، ولبكيتم كثيرًا» فغطى أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجوههم ولهم خنين .
وقد كان الصديق -رضي الله عنه- على جانب من الخوف والرجاء عظيم، جعله قدوة عملية لكل مسلم سواء حاكمًا أو محكومًا، قائدًا أو جنديًا، يريد النجاح والفلاح في الآخرة. فعن محمد بن سيرين قال: لم يكن أحد أهيب لما يعلم بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- من أبي بكر. وعن قيس قال: رأيت أبا بكر آخذ بطرف لسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد. وقد قال أبو بكر -رضي الله عنه- : ابكوا فإن لم تبكوا فتباكوا, وعن ميمون بن مهران قال: أتى أبو بكر بغراب وافر الجناحين فقلبه ثم قال: ما صِيدَ من صيد ولا عضدت من شجرة إلا بما ضيعت من التسبيح. وعن الحسن قال: قال أبو بكر: والله لوددت أني كنت هذه الشجرة تؤكل وتعضد. وقال أبو بكر: لوددت أن كنت شعرة في جنب عبد مؤمن. وكان -رضي الله عنه- يتمثل بهذا البيت من الشعر:

لا تزال تنعي حبيبًا حتى تكونه
وقد يرجو الرجا يموت دونه

ثانيًا: من أهم صفات الصديق وشيء من فضائله:

إن شخصية الصديق -رضي الله عنه- تعتبر شخصية قيادية، وقد اتصف -رضي الله عنه- بصفات القائد الرباني، ونجملها في أمور ونركز على بعضها بالتفصيل، فمن أهم هذه الصفات: سلامة المعتقد، والعلم الشرعي، والثقة بالله، والقدرة، والصدق، والكفاءة والشجاعة، والمروءة، والزهد، وحب التضحية، وحسن اختياره لمعاونيه، والتواضع، وقبول النصيحة، والحلم، والصبر، وعلو الهمة، والحزم، والإرادة القوية، والعدل، والقدرة على حل المشكلات، والقدرة على التعليم وإعداد القادة، وغير ذلك من الصفات التي ظهرت للباحث في الفترة المكية في صحبته للنبي -صلى الله عليه وسلم-، وفي العهد المدني في غزواته مع رسول الله وحياته في المجتمع، وظهر البعض الآخر لما تسلم قيادة الدولة وأصبح خليفة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ فقد استطاع بتوفيق الله تعالى وبسبب ما أودع الله فيه من صفات القيادة الربانية أن يحافظ على الدولة ويقمع حركة الردة، وينتقل بفضل الله وتوفيقه بالأمة نحو أهدافها المرسومة بخطوات ثابتة، ومن أهم تلك الصفات التي نحاول تسليط الأضواء عليها في هذا المبحث: إيمانه بالله العظيم، وعلمه الراسخ، وكثرة دعائه وتضرعه لله تعالى.

1- عظمة إيمانه بالله تعالى:
كان إيمان الصديق بالله عظيمًا، فقد فهم حقيقة الإيمان وتغلغلت كلمة التوحيد في نفسه وقلبه، وانعكست آثارها على جوارحه، وعاش بتلك الآثار في حياته، فتحلى بالأخلاق الرفيعة، وتطهر من الأخلاق الوضيعة، وحرص على التمسك بشرع الله والاقتداء بهديه -صلى الله عليه وسلم-، وكان إيمانه بالله تعالى باعثًا له على الحركة والهمة والنشاط والسعي، والجهد والمجاهدة، والجهاد والتربية، والاستعلاء والعزة، وكان في قلبه من اليقين والإيمان شيء عظيم لا يساويه فيه أحد من الصحابة. قال أبو بكر بن عياش: ما سبقهم أبو بكر بكثرة صلاة ولا صيام ولكن بشيء وقر في قلبه. ولهذا قيل: لو وزن إيمان أبي بكر بإيمان أهل الأرض لرجح، كما في السنن عن أبي بكرة عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «هل رأى أحد منكم رؤيا؟» فقال رجل: أنا رأيت كأن ميزانا نزل من السماء فوزنت أنت وأبو بكر فرجحت أنت بأبي بكر، ثم وزن أبو بكر وعمر فرجح أبو بكر، ثم وزن عمر وعثمان فرجع عمر، ثم رفع الميزان، فاستاء لها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقال: «خلافة نبوة، ثم يؤتى الله الملك من يشاء» .
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: رسول الله -صلى الله عليه وسلم- صلاة الصبح، ثم أقبل على الناس فقال: «بينا رجل يسوق بقرة له قد حمل عليها التفتت إليه البقرة، فقالت: إني لم أخلق لهذا، ولكني خلقت للحرث، فقال الناس: سبحان الله! (تعجبًا وفزعا) أبقرة تتكلم؟ فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: فإني أؤمن به وأبو بكر وعمر. قال أبو هريرة: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «وبينما رجل في غنمه إذ عدا الذئب فذهب منها بشاة، فطلب حتى كأنه استنقذها منه، فقال له الذئب: هذا استنقذتها مني، فمن لها يوم السبع، يوم لا راعي لها غيري؟ فقال الناس: سبحان الله، ذئب يتكلم؟ قال -صلى الله عليه وسلم-: فإني أومن بذلك أنا وأبو بكر وعمر وما هما ثم». ومن شدة إيمانه والتزامه بشرع الله تعالى وصدقه وإخلاصه للإسلام أحبه النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأصبحت تلك المحبة مقدمة عند النبي -صلى الله عليه وسلم- على غيره من الصحابة.
فعن عمرو بن العاص -رضي الله عنه-: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- بعثه على جيش ذات السلاسل، قال: فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: «عائشة»، فقلت: من الرجال؟ قال: «أبوها»، قلت: ثم من؟ قال: «عمر بن الخطاب». فعد رجالاً .
وبسبب هذا الإيمان العظيم والتزامه بشرع الله القويم ولجهوده التي بذلها لنصرة دين رب العالمين استحق بشارة رسول الله بالجنة، وأنه يدعى من جميع أبوابها، فعن أبي موسى الأشعري أنه توضأ في بيته ثم خرج، فقلت: لألزمن رسول الله -صلى الله عليهى وسلم- ولأكونن معه يومي هذا. قال: فجاء المسجد فسأل عن النبي -صلى الله عليه وسلم- فقالوا: خرج ووجه ها هنا، فخرجت على إثره أسأل عنه حتى دخل بئر أريسٍ، فجلست عند الباب وبابها من جريد حتى قضى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حاجته فتوضأ، فقمت إليه، فإذا هو جالس على بئر أريسٍ وتوسط قُفَّها وكشف عن ساقيه ودلاهما في البئر، فسلمت عليه ثم انصرفت فجلست عند الباب، فقلت: لأكونن بواب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اليوم، فجاء أبو بكر فدفع الباب، فقلت: من هذا، فقال: أبو بكر، فقلت: على رسلك، ثم ذهبت فقلت: يا رسول الله، هذا أبو بكر يستأذن، فقال: «ائذن له وبشره بالجنة»، فأقبلت حتى قلت لأبي بكر: ادخل ورسول الله يبشرك بالجنة، فدخل أبو بكر فجلس عن يمين رسول الله -صلى الله عليه وسلم- معه في القف ودلى رجليه في البئر كما صنع النبي -صلى الله عليه وسلم- وكشف عن ساقيه....
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «من أنفق زوجين من شيء من الأشياء في سبيل الله دعي من أبواب (أي الجنة) يا عبد الله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعي من باب الصلاة، ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة، ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الصيام وباب الريان»، فقال أبو بكر -رضي الله عنه-: ما على هذا الذي يُدعى من تلك الأبواب من ضرورة، وقال: هل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها؟ قال: «نعم، وأرجو أن تكون منهم يا أبا بكر».

2- علمه -رضي الله عنه-:
كان الصديق من أعلم الناس بالله وأخوفهم له. وقد اتفق أهل السنة على أن أبا بكر أعلم الأمة، وحكى الإجماع على ذلك غير واحد ، وسبب تقدمه على كل الصحابة في العلم والفضل ملازمته للنبي -صلى الله عليه وسلم-؛ فقد كان أدوم اجتماعًا به ليلاً ونهارًا، وسفرًا وحضرًا، وكان يسمر عند النبي -صلى الله عليه وسلم- بعد العشاء، يتحدث معه في أمور المسلمين دون غيره من أصحابه، وكان إذا استشار أصحابه أول من يتكلم أبو بكر في الشورى، وربما تكلم غيره وربما لم يتكلم غيره فيعمل برأيه وحده، فإذا خالفه غيره اتبع رأيه دون رأي من يخالفه. وقد استعمله النبي -صلى الله عليه وسلم- على أول حجة حجت من مدينة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وعلم المناسك أدق ما في العبادات، ولولا سعة علمه لم يستعمله، وكذلك الصلاة استخلفه عليها ولولا علمه لم يستخلفه، ولم يستخلف غيره لا في حج ولا في صلاة.
وكتاب الصدقة التي فرضها رسول الله أخذه أنس من أبي بكر وهو أصح ما روي فيها، وعليه اعتمد الفقهاء وغيرهم في كتابه ما هو متقدم منسوخ، فدل على أنه أعلم بالسنة الناسخة، ولم يحفظ له قول يخالف فيه نصًا، وهذا يدل على غاية البراعة والعلم. وفي الجملة: لا يعرف لأبي بكر مسألة في الشريعة غلط فيها، وقد عرف لغيره مسائل كثيرة. وكان -رضي الله عنه- يقضي ويفتي بحضرة النبي -صلى الله عليه وسلم- ويقره، ولم تكن هذه المرتبة لغيره، وقد بينت ذلك في سلب أبي قتادة بحنين. وقد ظهر فضل علمه وتقدمه على غيره بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، فإن الأمة لم تختلف في ولايته في مسألة إلا فصلها هو بعلم يبينه لهم وحجة يذكرها لهم من الكتاب والسنة، وذلك لكمال علم الصديق وعدله، ومعرفته بالأدلة التي تزيل النزاع، وكان إذا أمرهم أطاعوه، كما بين لهم موت النبي -صلى الله عليه وسلم- وتثبيتهم على الإيمان، ثم بين لهم موضع دفنه، وبين لهم ميراثه، وبين لهم قتال مانعي الزكاة لما استراب فيه عمر، وبين لهم أن الخلافة في قريش، وتجهيز جيش أسامة، وبين لهم أن عبدًا خيره الله بين الدنيا والآخرة هو رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ، وسيأتي تفصيل ذلك في موضعه بإذن الله تعالى.
ولقد رأى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- له رؤيا تدل على علمه؛ فعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «رأيت كأني أعطيت عُسًّا مملوءًا لبنًا، فشربت منه حتى تملأت، فرأيتها تجري في عروقي بين الجلد واللحم، ففضلت منها فضلة، فأعطيتها أبا بكر». قالوا: يا رسول الله، هذا علم أعطاكه الله حتى إذا تملأت منه، فضلت فضلة فأعطيتها أبا بكر، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «قد أصبتم».
وكان الصديق -رضي الله عنه- يرى أن الرؤيا حق، وكان يجيد تأويلها، وكان يقول إذا أصبح: من رأى رؤيا صالحة فليحدثنا بها. وكان يقول: لأن يرى رجل مسلم مسبغ الوضوء رؤيا صالحة أحب إليَّ من كذا وكذا.
ومما عبره -صلى الله عليه وسلم- من الرؤى ما يلي: عن ابن عباس -رضي الله عنه- أن رجلاً أتى رسول الله فقال: إني رأيت الليلة في المنام ظلة تنطف السمن والعسل، فأرى الناس يتكففون منها، فالمستكثر والمستقل، وإذا سبب واصل من الأرض إلى السماء، فأراك أخذت به فعلوت، ثم أخذ به رجل آخر فانقطع، ثم وُصِل، فقال أبو بكر: يا رسول الله، بأبي أنت، والله لتدعني فأعبرهما، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «اعبرها»، قال: أما الظلة فالإسلام، وأما الذي ينطف من العسل والسمن فالقرآن، حلاوته تنطف فالمستكثر من القرآن والمستقل، وأما السبب الواصل من السماء إلى الأرض فالحق الذي أنت عليه، تأخذ به فُيعليك الله، ثم يأخذ به رجل آخر فيعلو به، ثم يأخذ رجل آخر فيعلو به، فأخبرني يا رسول الله بأبي أنت، أصبت أم أخطأت؟ قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «أصبت بعضًا وأخطأت بعضًا»، قال: فوالله لتحدثني بالذي أخطأت، قال: «لا تقسم».
وعن عائشة -رضي الله عنها- أنها رأت كأنه وقع في بيتها ثلاثة أقمار، فقصتها على أبي بكر -وكان من أعبر الناس- فقال: إن صدقت رؤياك ليدفنن في بيتك من خير أهل الأرض ثلاثة، فلما قبض النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «يا عائشة هذا خير أقمارك». فقد كان الصديق -رضي الله عنه- أعبر هذه الأمة بعد نبيها .
ومع كونه -رضي الله عنه- من أعلم الصحابة إلا أنه من أبعد الناس عن التكلف، فعن إبراهيم النخعي قال: قرأ أبو بكر الصديق +وَفَاكِهَةً وَأَبًّا" [عبس: 31]، فقيل: ما الأبُّ؟ فقيل: كذا وكذا، فقال أبو بكر: إن هذا لهو التكلف، أي أرض تقلني وأي سماء تظلني إذا قلت في كتاب الله ما لا أعلم .

3- دعاؤه وشدة تضرعه:

إن الدعاء باب عظيم، فإن فتح للعبد تتابعت عليه الخيرات وانهالت عليه البركات، ولذلك حرص الصديق على حسن الصلة بالله وكثرة الدعاء. كما أن الدعاء من أعظم وأقوى عوامل النصر على الأعداء، قال تعالى: +وَقَالَ رَبُّكُمْ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ" [غافر: 60]، وقال تعالى: +وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ"
[البقرة: 186].
ولقد لازم الصديق رسولَ الله -صلى الله عليه وسلم- ورأى كيف كان رسول الله يستغيث بالله ويستنصره ويطلب المدد منه، وقد حرص الصديق على أن يتعلم هذه العبادة من رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وأن يكون دعاؤه وتسبيحه على الصيغة التي يأمر بها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويرتضيها؛ إذ ليس للمسلم أن يفضل على الصيغة المأثورة في الدعاء والتسبيح والصلاة على النبي -صلى الله عليه وسلم- صيغًا أخرى، مهما كانت في ظاهرها حسنة اللفظ جيدة المعنى؛ لأن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو معلم الخير، والهادي إلى الصراط المستقيم، وهو أعرف بالأفضل والأكمل. وقد جاء في الصحيحين أن أبا بكر الصديق -رضي الله عنه- قال: يا رسول الله، علمني دعاءً أدعو به في صلاتي، قال: «قل: اللهم إني ظلمت نفسي ظلمًا كثيرًا ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك، وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم» .
ففي هذا الدعاء وصف العبد لنفسه المقتضى حاجته إلى المغفرة، وفيه وصف ربه الذي يوجب أنه لا يقدر على هذا المطلوب غيره، وفيه التصريح بسؤال العبد لمطلوبه، وفيه بيان المقتضي للإجابة، وهو وصف الرب بالمغفرة والرحمة، فهذا ونحوه أكمل أنواع الطلب .
وجاء في السنن عن أبي بكر -رضي الله عنه- قال: يا رسول الله، علمني دعاء أدعو به إذا أصبحت وإذا أمسيت، فقال: «قل: اللهم فاطر السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، رب كل شيء ومليكه، أشهد أن لا إله إلا أنت، أعوذ بك من شر نفسي، ومن شر الشيطان وشَرَكِه، وأن أقترف على نفسي سوءًا أو أجره إلى مسلم، قله إذا أصبحت وإذا أمسيت وإذا أخذت مضجعك».
فقد تعلم الصديق من رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه ليس لأحد أن يظن استغناءه عن التوبة إلى الله والاستغفار من الذنوب؛ بل كل أحد محتاج إلى ذلك دائمًا، قال تعالى: +إِنَّا عَرَضْنَا الأمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَن يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولاً  لِيُعَذِّبَ اللهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَّحِيمًا" [الأحزاب: 72، 73]، فالإنسان ظالم جاهل، وغاية المؤمنين والمؤمنات التوبة.
وقد أخبر الله تعالى في كتابه بتوبة عباده الصالحين ومغفرته لهم، وثبت في الصحيحين عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: «لن يدخل الجنة أحد بعمله»، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: «ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته». وهذا لا ينافي قوله تعالى: +كُلُوا وَاشْرَبُوا هَنِيئًا بِمَا أَسْلَفْتُمْ فِي الأيَّامِ الْخَالِيَةِ" [الحاقة: 24]، فإن الرسول نفى باء المقابلة والمعادلة، والقرآن أثبت باء السبب. وقول من قال: إذا أحب الله عبدًا لم تضره الذنوب، معناه: أنه إذا أحب عبدًا ألهمه التوبة والاستغفار فلم يصر على الذنوب، ومن ظن أن الذنوب لا تضر من أصر عليها فهو ضال مخالف للكتاب والسنة وإجماع السلف والأئمة، فمن يعمل مثقال ذرة خيرًا يره، ومن يعمل مثقال ذرة شرًا يره .
كان أبو بكر دائم الذكر لله تعالى، شديد التضرع، كثير التوجه لله، لا ينفك عن الدعاء في كل أحيانه. وقد نقل إلينا بعض أدعيته وتضرعاته، ومنها:
أ- أسألك تمام النعمة في الأشياء كلها، والشكر لك عليها حتى ترضى، وبعد الرضا، والخيرة في جميع ما تكون إليه الخيرة, بجميع ميسور الأمور كلها، لا بمعسورها يا كريم .
ب- وكان يقول في دعائه: اللهم إني أسألك الذي هو خير لي في عاقبة الخير. اللهم اجعل آخر ما تعطيني من الخير رضوانك والدرجات العُلى من جنات النعيم .
ج- وكان يقول في دعائه: اللهم اجعل خير عمري آخره، وخير عملي خواتمه، وخير أيامي يوم ألقاك .
د- وكان إذا سمع أحدا يمدحه من الناس يقول: اللهم أنت أعلم من نفسي، وأنا أعلم بنفسي منهم، اللهم اجعلني خيرًا مما يظنون، واغفر لي ما لا يعلمون، ولا تؤاخذني بما يقولون .
وهذه بعض أهم صفاته وشيء من فضائله مررنا عليه بالإيجاز، وسوف نرى أثر التربية النبوية على الصديق بعد وفاة النبي -صلى الله عليه وسلم-، وكيف قام مقامًا لم يقمه غيره بفضل الله وتوفيقه، ثم تربيته العميقة وإيمانه العظيم وعلمه الراسخ وتتلمذه على يدي رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقد أحسن الجندية، وقطع مراحلها وأشواطها برفقة قائده العظيم عليه أفضل الصلاة والسلام، فلما أصبح خليفة للأمة استطاع أن يقود سفينة الإسلام إلى شاطئ الأمان رغم العواصف الشديدة، والأمواج المتلاطمة، والفتن المظلمة.
* * *
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://dynastywarriors.yoo7.com/profile.forum
داندونه
Marquis
Marquis


انثى عدد الرسائل : 1452
العمر : 22
الدولة : kingdom of saudia arabia
أفضل مملكة : Wei
تاريخ التسجيل : 05/12/2011

مُساهمةموضوع: رد: سيرة أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-   الخميس 19 يوليو 2012, 8:50 am

الله يجزاك الجنه اخوي
موضوعك مرره حلو
استمتعت وانا اقراه
ومتحمسه للأجزاء الجديدة
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://dandunah.tumblr.com/
The Stranger
Marquis
Marquis


ذكر عدد الرسائل : 3357
العمر : 22
الدولة : في عآلم الغربه...
أفضل مملكة : Shu
تاريخ التسجيل : 14/11/2009

مُساهمةموضوع: رد: سيرة أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-   الخميس 19 يوليو 2012, 10:59 pm




الفصل الثاني

وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وسقيفة بني ساعدة، وجيش أسامة

المبحث الأول
وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- وسقيفة بني ساعدة

أولاً: وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم-:

إن الأرواح الشفافة الصافية لتدرك بعض ما يكون مخبوءًا وراء حجب الغيب بقدرة الله تعالى، والقلوب الطاهرة المطمئنة لتحدث صاحبها بما عسى أن يحدث له فيما يستقبل من الزمان، والعقول الذكية المستنيرة بنور الإيمان لتدرك ما وراء الألفاظ والأحداث من إشارات وتلميحات، ولنبينا محمد -صلى الله عليه وسلم- من هذه الصفات الحظ الأوفر، وهو منها بالمحل الأرفع الذي لا يسامى ولا يطاول.
ولقد جاءت بعض الآيات القرآنية مؤكدة على حقيقة بشرية النبي -صلى الله عليه وسلم-، وأنه كغيره من البشر، وسوف يذوق الموت ويعاني سكراته كما ذاقه من قبل إخوانه من الأنبياء، ولقد فهم -صلى الله عليه وسلم- من بعض الآيات اقتراب أجله، وقد أشار -صلى الله عليه وسلم- في طائفة من الأحاديث الصحيحة إلى اقتراب وفاته، منها ما هو صريح الدلالة على الوفاة ومنها ما ليس كذلك؛ حيث لم يشعر ذلك منها إلا الآحاد من كبار الصحابة الأجلاء كأبي بكر والعباس ومعاذ رضي الله عنهم .

مرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وبدء الشكوى:

رجع رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من حجة الوداع في ذي الحجة، فأقام بالمدينة بقيته والمحرم وصفرًا من العام العاشر، فبدأ بتجهيز جيش أسامة وأمَّر عليهم أسامة بن زيد بن حارثة، وأمره أن يتوجه نحو البلقاء وفلسطين، فتجهز الناس وفيهم المهاجرون والأنصار، وكان أسامة بن زيد ابن ثماني عشرة سنة، وتكلم البعض في تأميره وهو مولى وصغير السن على كبار المهاجرين والأنصار، فلم يقبل الرسول -صلى الله عليه وسلم- طعنهم في إمارة أسامة ، فقال -صلى الله عليه وسلم-: «إن يطعنوا في إمارته فقد طعنوا في إمارة أبيه، وايم الله إن كان لخليقًا للإمارة، وإن كان من أحب الناس إليَّ، وإن ابنه هذا لمن أحب الناس إليَّ بعده».
وبينما الناس يستعدون للجهاد في جيش أسامة ابتدى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- شكواه الذي قُبض فيه، وقد حدثت حوادث ما بين مرضه ووفاته، منها: زيارته قتلى أحد وصلاته عليهم، واستئذانه أن يمرض في بيت عائشة، وشدة المرض الذي نزل به، وأوصى -صلى الله عليه وسلم- بإخراج المشركين من جزيرة العرب وإجازة الوفد ونهى عن اتخاذ قبره مسجدًا، وأوصي بإحسان الظن بالله وأوصي بالصلاة وما ملكت أيمانكم، وبيَّن بأنه لم يبقَ من مبشرات النبوة إلا الرؤيا، وأوصي بالأنصار خيرًا وخطب -صلى الله عليه وسلم- في أيام مرضه فقال: «إن الله خيَّر عبدًا بين الدنيا وبين ما عند الله، فاختار ذلك العبد ما عند الله»، فبكى أبو بكر، فقال أبو سعيد الخدري -رضي الله عنه-: فعجبنا لبكائه أن يخبر الرسول -صلى الله عليه وسلم- عن خير، فكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- هو المخير، وكان أبو بكر أعلمنا، فقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن أمَنَّ الناس عليَّ صحبته وماله أبو بكر، ولو كنت متخذًا خليلاً غير ربي لاتخذت أبا بكر، ولكن أخوة الإسلام ومودته. لا يبقين في المسجد باب إلا باب أبي بكر» .
قال الحافظ ابن حجر: وكأن أبو بكر -رضي الله عنه- فَهِم الرمز الذي أشار به النبي -صلى الله عليه وسلم- من قرينة ذكره ذلك في مرض موته، فاستشعر منه أنه أراد نفسه فلذلك بكى، ولما اشتد المرض بالنبي -صلى الله عليه وسلم- وحضرته الصلاة فأذَّن بلال قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «مروا أبا بكر فليصل»، فقيل: إن أبا بكر رجل أسيف، إذا قام مقامك لم يصلِّ بالناس، وأعاد فأعادوا له الثالثة، فقال: «إنكن صواحب يوسف ، مروا أبا بكر فليصل». فخرج أبو بكر فوجد النبي -صلى الله عليه وسلم- في نفسه خفة، فخرج يهادي بين رجلين، كأني أنظر إلى رجليه تخطان من الوجع، فأراد أبو بكر أن يتأخر فأومأ إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- أن مكانك، ثم أتي به حتى جلس إلى جنبه. قيل للأعمش: فكان النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي بصلاته والناس يصلون بصلاة أبي بكر، فقال برأسه: نعم. واستمر أبو بكر يصلي بالمسلمين، حتى إذا كان يوم الإثنين، وهم صفوف في صلاة الفجر، كشف النبي -صلى الله عليه وسلم- ستر الحجرة ينظر إلى المسلمين وهم وقوف أمام ربهم، ورأى كيف أثمر غرس دعوته وجهاده، وكيف نشأت أمة تحافظ على الصلاة، وتواظب عليها بحضرة نبيها وغيبته، وقد قرت عينه بهذا المنظر البهيج، وبهذا النجاح الذي لم يقدر لنبي أو داع قبله، واطمأن أن صلة هذه الأمة بهذا الدين وعبادة الله تعالى صلة دائمة لا تقطعها وفاة نبيها، فمليء من السرور ما الله به عليم، واستنار وجهه وهو منير.
يقول الصحابة -رضي الله عنهم-: كشف النبي -صلى الله عليه وسلم- ستر حجرة عائشة ينظر إلينا وهو قائم، وكأن وجهه ورقة مصحف ثم تبسم يضحك، فهممنا أن نفتتن من الفرح، وظننا أن النبي -صلى الله عليه وسلم- خارج إلى الصلاة فأشار إلينا أن أتموا صلاتكم، ودخل الحجرة وأرخى الستر، وانصرف بعض الصحابة إلى أعمالهم، ودخل أبو بكر على ابنته عائشة وقال: ما أرى رسول الله إلا قد أقلع عنه الوجع, وهذا يوم بنت خارجة -إحدى زوجتيه- وكانت تسكن بالسُّنح، فركب على فرسه وذهب إلى منزله.
واشتدت سكرات الموت بالنبي -صلى الله عليه وسلم-، ودخل عليه أسامة بن زيد وقد صمت فلا يقدر على الكلام، فجعل يرفع يديه إلى السماء ثم يضعها على أسامة، فعرف أنه يدعو له، وأخذت السيدة عائشة رسولَ الله وأوسدته إلى صدرها بين سحرها، ونحرها، فدخل
عبد الرحمن بن أبي بكر وبيده سواك، فجعل رسول الله ينظر إليه، فقالت عائشة: آخذه لك؟ فأشار برأسه نعم، فأخذته من أخيها ثم مضغته ولينته وناولته إياه، فاستاك به كأحسن ما يكون الاستياك، وكل ذلك وهو لا ينفك عن قوله: «في الرفيق الأعلى». وكان -صلى الله عليه وسلم- بجانبه ركوة ماء أو علبة فيها ماء، فيمسح بها وجهه ويقول: «لا إله إلا الله... إن للموت سكرات» ثم نصب يده فجعل يقول: «في الرفيق الأعلى»، حتى قبض ومالت يده. وفي لفظ أن النبي -صلى الله عليه وسلم- كان يقول: «اللهم أعني على سكرات الموت» .
وفي رواية: أن عائشة سمعت النبي -صلى الله عليه وسلم- وأصغت إليه قبل أن يموت وهو مسند الظهر يقول: «اللهم اغفر لي وارحمني، وألحقني بالرفيق الأعلى» .
وقد ورد أن فاطمة -رضي الله عنها- قالت: واكرب أباه، فقال لها: «ليس على أبيك كرب بعد اليوم»، فلما مات قالت: يا أبتاه.. أجاب ربًّا دعاه، يا أبتاه.. جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه.. إلى جبريل ننعاه. فلما دفن -صلى الله عليه وسلم- قالت لأنس: كيف طابت أنفسكم أن تحثوا على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- التراب .
فارق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- الدنيا وهو يحكم جزيرة العرب، ويرهبه ملوك الدنيا، ويفديه أصحابه بنفوسهم وأولادهم وأموالهم، وما ترك عند موته دينارًا ولا درهمًا، ولا عبدًا، ولا أمة، ولا شيئًا، إلا بغلته البيضاء، وسلاحه وأرضًا جعلها صدقة.
وتوفي -صلى الله عليه وسلم- ودرعه مرهونة عند يهودي بثلاثين صاعًا من شعير، وكان ذلك يوم الاثنين في الثاني عشر من ربيع الأول سنة إحدى عشرة من الهجرة بعد الزوال، وله ثلاثة وستون سنة. وكان أشد الأيام سوادًا ووحشة ومصابًا على المسلمين، ومحنة كبرى للبشرية، كما كان يوم ولادته أسعد يوم طلعت فيه الشمس. يقول أنس -رضي الله عنه-: كان اليوم الذي قدم فيه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان الذي مات فيه أظلم منها كل شيء. وبكت أم أيمن فقيل لها: ما يبكيك على النبي؟ قالت: إني قد علمت أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- سيموت، ولكن إنما أبكي على الوحي الذي رُفِع عنا .

ثانيًا: هول الفاجعة وموقف أبي بكر منها:
قال ابن رجب: ولما توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اضطرب المسلمون؛ فمنهم من دهش فخولط، ومنهم من أقعد فلم يُطق القيام، ومنهم من اعتقل لسانه فلم يطق الكلام، ومنهم من أنكر موته بالكلية .
قال القرطبي مبينًا عظم هذه المصيبة وما ترتب عليها من أمور: من أعظم المصائب المصيبة في الدين.. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إذا أصاب أحدكم مصيبة فليذكر مصابه بي؛ فإنها أعظم المصائب». وصدق رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ لأن المصيبة به أعظم من كل مصيبة يصاب بها المسلم بعده إلى يوم القيامة؛ انقطع الوحي، وماتت النبوة، وكان أول ظهور الشر بارتداد العرب وغير ذلك، وكان أول انقطاع الخير وأول نقصانه .
وقال ابن إسحاق: ولما توفي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- عظمت به مصيبة المسلمين، فكانت عائشة فيما بلغني تقول: لما توفي النبي -صلى الله عليه وسلم- ارتدت العرب، واشرأبت اليهودية والنصرانية، ونجم النفاق، وصار المسلمون كالغنم المطيرة في الليلة الشاتية لفقد نبيهم .
وقال القاضي أبو بكر بن العربي: ... واضطربت الحال، فكان موت النبي -صلى الله عليه وسلم- قاصمة الظهر ومصيبة العمر، فأما عليٌّ فاستخفى في بيت فاطمة، وأما عثمان فسكت، وأما عمر فأهجر وقال: ما مات رسول الله، وإنما واعده ربه كما واعد موسى، وليرجعن رسول الله، فليقطعن أيدي رجال وأرجلهم، ولما سمع أبو بكر الخبر أقبل على فرس من مسكنه بالسنح، حتى نزل، فدخل المسجد، فلم يكلم الناس، حتى دخل على عائشة فتيمم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو مغشَّى بثوب حبرة، فكشف عن وجهه، ثم أكب عليه فقبله وبكى، ثم قال: بأبي أنت وأمي، والله لا يجمع الله عليك موتتين؛ أما الموتة التي كتبت عليك فقد متها، وخرج أبو بكر وعمر يتكلم، فقال: اجلس يا عمر، وهو ماض في كلامه وفي ثورة غضبه، فقام أبو بكر في الناس خطيبًا بعد أن حمد الله وأثنى عليه:
أما بعد: فإن من كان يعبد محمدًا فإن محمدًا قد مات، ومن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت، ثم تلا هذه الآية: +وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَن يَّضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ" [آل عمران: 144] فنشج الناس يبكون .
قال عمر: فوالله ما سمعت أبا بكر تلاها، فهويت إلى الأرض ما تحملني قدماي، وعلمت أن رسول الله قد مات. قال القرطبي: هذه الآية أدل دليل على شجاعة الصديق وجراءته؛ فإن الشجاعة والجرأة حدهما ثبوت القلب عند حلول المصائب، ولا مصيبة أعظم من موت النبي -صلى الله عليه وسلم-، فظهرت شجاعته وعلمه، قال الناس: لم يمت رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، منهم عمر، وخرس عثمان، واستخفى علي، واضطرب الأمر، فكشفه الصديق بهذه الآية حين قدومه من مسكنه بالسنح .
وبهذه الكلمات القلائل، واستشهاد الصديق بالقرآن الكريم خرج الناس من ذهولهم وحيرتهم ورجعوا إلى الفهم الصحيح رجوعًا جميلاً، فالله هو الحي وحده الذي لا يموت، وأنه وحده الذي يستحق العبادة، وأن الإسلام باق بعد موت محمد -صلى الله عليه وسلم-، كما جاء في رواية من قول الصديق: إن دين الله قائم، وإن كلمة الله تامة، وإن الله ناصر من نصره، ومعز دينه، وإن كتاب الله بين أظهرنا، وهو النور والشفاء، وبه هدى الله محمدًا -صلى الله عليه وسلم- وفيه حلال الله وحرامه، والله لا نبالي من أجلب علينا من خلق الله. إن سيوف الله لمسلولة ما وضعناها بعد، ولنجاهدن من خالفنا كما جاهدنا مع رسول الله، فلا يبغين أحد إلا على نفسه.
كان موت محمد -صلى الله عليه وسلم- مصيبة عظيمة، وابتلاءً شديدًا، ومن خلالها وبعدها ظهرت شخصية الصديق كقائد للأمة، فذ لا نظير له ولا مثيل ، فقد أشرق اليقين في قلبه وتجلى ذلك في رسوخ الحقائق فيه، فعرف حقيقة العبودية والنبوة والموت، وفي ذلك الموقف العصيب ظهرت حكمته -رضي الله عنه- , فانحاز بالناس إلى التوحيد «من كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت»، وما زال التوحيد في قلوبهم غضًّا طريًا، فما أن سمعوا تذكير الصديق لهم حتى رجعوا إلى الحق.
تقول عائشة -رضي الله عنها-: فوالله لكأن الناس لم يكونوا يعلمون أن الله أنزل هذه الآية حتى تلاها أبو بكر -رضي الله عنه-، فتلقاها منه الناس، فما يسمع بشر إلا يتلوها .

ثالثًا: سقيقة بني ساعدة:
لما علم الصحابة -رضي الله عنهم- بوفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- اجتمع الأنصار في سقيفة بني ساعدة في اليوم نفسه، وهو يوم الاثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول من السنة الحادية عشرة للهجرة، وتداولوا الأمر بينهم في اختيار من يلي الخلافة من بعده .
والتف الأنصار حول زعيم الخزرج سعد بن عبادة -رضي الله عنه-، ولما بلغ خبر اجتماع الأنصار في سقيفة بني ساعدة إلى المهاجرين، وهم مجتمعون مع أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- لترشيح من يتولى الخلافة ، قال المهاجرون لبعضهم: انطلقوا بنا إلى إخواننا من الأنصار، فإن لهم في هذا الحق نصيبًا. قال عمر -رضي الله عنه-: فانطلقنا نريدهم، فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلين صالحين، فذكر ما تمالأ عليه القوم، فقالا: أين تريدون يا معشر المهاجرين؟ قلنا: نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار، فقالا: لا عليكم أن لا تقربوهم، اقضوا أمركم، فقلت: والله لنأتينهم، فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة، فإذا رجل مزمل بين ظهرانيهم، فقلت: من هذا؟ فقالوا: هذا سعد بن عبادة، فقلت: ما له؟ قالوا: يوعك. فلما جلسنا قليلاً تشهَّد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد، فنحن أنصار الله وكتيبة الإسلام، وأنتم -معشر المهاجرين- رهط، وقد دفت دافة من قومكم، فإذا هم يريدون أن يختزلونا من أصلنا وأن يحضنونا من الأمر فلما سكت أردت أن أتكلم -وكنت قد زوَّرت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر- وكنت أداري منه بعض الحد، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر: على رَسْلِك، فكرهت أن أغضبه، فتكلم أبو بكر، فكان هو أحلم مني وأوقر، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت، فقال: ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل، ولن يعرف هذا الأمر إلا لهذا الحي من قريش، هم أوسط العرب نسبا ودارًا، وقد رضيت لكم هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم -فأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا- فلم أكره مما قال غيرها، والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من إثم أحب إليَّ من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر، اللهم إلا أن تسول إليَّ نفسي عند الموت شيئًا لا أجده الآن.
فقال قائل من الأنصار: أنا جُذيلها المحكك، وعذيقها المرجَّب ، منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش، فكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، حتى فرقت من الاختلاف فقلت: ابسط يدك، فبايعته وبايعه المهاجرين، ثم بايعته الأنصار .
وفي رواية أحمد:«.. فتكلم أبو بكر -رضي الله عنه- فلم يترك شيئًا أنزل في الأنصار ولا ذكره رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من شأنهم إلا وذكره، وقال: ولقد علمتم أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «لو سلك الناس واديًا وسلكت الأنصار واديًا سلكت وادي الأنصار»، ولقد علمت يا سعد أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال وأنت قاعد: «قريش ولاة هذا الأمر، فَبَرُّ الناس تبع لبرهم، وفاجر الناس تبع لفاجرهم»، فقال له سعد: صدقت، نحن الوزراء وأنتم الأمراء .

رابعا: أهم الدروس والعبر والفوائد في هذه الحادثة:
1- الصديق وتعامله مع النفوس وقدرته على الإقناع:

من رواية الإمام أحمد يتضح لنا كيف استطاع الصديق أبو بكر -رضي الله عنه- أن يدخل إلى نفوس الأنصار فيقنعهم بما رآه هو الحق، من غير أن يعرض المسلمين للفتنة، فأثنى على الأنصار ببيان ما جاء في فضلهم من الكتاب والسنة. والثناء على المخالف منهج إسلامي يقصد منه إنصاف المخالف وامتصاص غضبه، وانتزاع بواعث الأثرة والأنانية في نفسه؛ ليكون مهيأ لقبول الحق إذا تبين له. وقد كان في هدي النبي -صلى الله عليه وسلم- الكثير من الأمثلة التي تدل على ذلك، ثم توصل أبو بكر من ذلك إلى أن فضلهم وإن كان كبيرًا لا يعني أحقيتهم في الخلافة؛ لأن النبي -صلى الله عليه وسلم- قد نص على أن المهاجرين من قريش هم المقدمون في هذا الأمر. وقد ذكر ابن العربي المالكي أن أبا بكر استدل على أمر الخلافة في قريش بوصية رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «بالأنصار خيرًا، وأن يقبلوا من محسنهم ويتجاوزوا عن مسيئهم»، احتج به أبو بكر على الأنصار قوله: إن الله سمانا «الصادقين» وسماكم «المفلحين» إشارة إلى قوله تعالى: +لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِّنَ اللهِ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ  وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ" [الحشر: 8، 9]، وقد أمركم أن تكونوا معنا حيثما كنا فقال: +يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ" [التوبة: 119]، إلى غير ذلك من الأقوال المصيبة والأدلة القوية، فتذكرت الأنصار ذلك وانقادت إليه.
وبيَّن الصديق في خطابه أن من مؤهلات القوم الذين يرشحون للخلافة أن يكونوا ممن يدين لهم العرب بالسيادة وتستقر بهم الأمور؛ حتى لا تحدث الفتن فيما إذا تولى غيرهم، وأبان أن العرب لا يعترفون بالسيادة إلا للمسلمين من قريش، لكون النبي -صلى الله عليه وسلم- منهم، ولما استقر في أذهان العرب من تعظيمهم واحترامهم. وبهذه الكلمات النيرة التي قالها الصديق اقتنع الأنصار بأن يكونوا وزراء مُعينين وجنودًا مخلصين، كما كانوا في عهد النبي -صلى الله عليه وسلم-، وبذلك توحد صف المسلمين .

2- زهد عمر وأبي بكر -رضي الله عنهما- في الخلافة وحرص الجميع على وحدة الأمة:

بعد أن أتم أبو بكر حديثه في السقيفة قدم عمر وأبا عبيدة للخلافة، ولكن عمر كره ذلك وقال فيما بعد: فلم أكره مما قال غيرها، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يُقربني ذلك من إثم أحب إليَّ من أن أتامر على قوم فيهم أبو بكر .
وبهذه القناعة من عمر بأحقية أبي بكر بالخلافة قال له: ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده، قال: فبايعته وبايعه المهاجرون والأنصار، وجاء في رواية قال عمر:«... يا معشر الأنصار: ألستم تعلمون أن رسول الله قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس، فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر -رضي الله عنه-؟ فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر .
وهذا ملحظ مهم وُفِّق إليه عمر -رضي الله عنه-، وقد اهتم بذلك النبي -صلى الله عليه وسلم- في مرض موته فأصر على إمامة أبي بكر، وهو من باب الإشارة بأنه أحق من غيره بالخلافة. وكلام عمر في غاية الأدب والتواضع والتجرد من حظ النفس، ولقد ظهر زهد أبي بكر في الإمارة في خطبته التي اعتذر فيها من قبول الخلافة حيث قال: والله ما كنت حريصًا على الإمارة يومًا ولا ليلة قط، ولا كنت فيها راغبًا، ولا سألتها الله -عز وجل- في سر وعلانية، ولكني أشفقت من الفتنة، وما لي في الإمارة من راحة، ولكن قلدت أمرًا عظيمًا ما لي به من طاقة ولا يد إلا بتقوية الله عز وجل، ولوددت أن أقوى الناس عليها مكاني .
وقد ثبت أنه قال: وددت أني يوم سقيفة بني ساعدة كنت قذفت الأمر في عنق أحد الرجلين؛ أبي عبيدة أو عمر، فكان أمير المؤمنين وكنت وزيرًا , وقد تكررت خطب أبي بكر في الاعتذار عن تولي الخلافة وطلبه التنحي عنها، فقد قال:«... أيها الناس: هذا أمركم إليكم تولوا من أحببتم على ذلك، وأكون كأحدكم. فأجابه الناس: رضينا بك قسمًا وحظًا، وأنت ثاني اثنين مع رسول الله -صلى الله عليه وسلم-. وقد قام باستبراء نفوس المسلمين من أي معارضة لخلافته، واستحلفهم على ذلك فقال: أيها الناس، أذكركم الله أيما رجل ندم على بيعتي لما قام على رجليه، فقال على بن أبي طالب، ومعه السيف، فدنا منه حتى وضع رجلاً على عتبة المنبر والأخرى على الحصى وقال: والله لا نقيلك ولا نستقيلك، قدمك رسول الله فمن ذا يؤخرك ؟
ولم يكن أبو بكر وحده الزاهد في أمر الخلافة والمسئولية بل إنها روح العصر. ومن هذه النصوص التي تم ذكرها يمكن القول: إن الحوار الذي دار في سقيفة بني ساعدة لا يخرج عن هذا الاتجاه، بل يؤكد حرص الأنصار على مستقبل الدعوة الإسلامية، واستعدادهم المستمر للتضحية في سبيلها، فما اطمأنوا على ذلك حتى استجابوا سريعا لبيعة أبي بكر الذي قبل البيعة لهذه الأسباب، وإلا فإن نظرة الصحابة مخالفة لرؤية الكثير ممن جاء بعدهم ممن خالفوا المنهج العلمي، والدراسة الموضوعية، بل كانت دراستهم متناقضة مع روح ذلك العصر، وآمال وتطلعات أصحاب رسول الله من الأنصار وغيرهم.
وإذا كان اجتماع السقيفة أدى إلى انشقاق بين المهاجرين والأنصار كما زعمه بعضهم، فكيف قبل الأنصار بتلك النتيجة وهم أهل الديار وأهل العدد والعدة؟ وكيف انقادوا لخلافة أبي بكر ونفروا في جيوش الخلافة شرقًا وغربًا مجاهدين لتثبيت أركانها لو لم يكونوا متحمسين لنصرتها؟ .
فالصواب اتضح من حرص الأنصار على تنفيذ سياسة الخلافة والاندفاع لمواجهة المرتدين، وأنه لم يتخلف أحد من الأنصار عن بيعة أبي بكر فضلاً عن غيرهم من
المسلمين، وأن أخوة المهاجرين والأنصار أكبر من تخيلات الذين سطروا الخلاف بينهم في رواياتهم المغرضة.

3- سعد بن عبادة -رضي الله عنه- وموقفه من خلافة الصديق:

إن سعد بن عبادة -رضي الله عنه- قد بايع أبا بكر -رضي الله عنه- بالخلافة في أعقاب النقاش الذي دار في سقيفة بني ساعدة؛ إذ أنه نزل عن مقامة الأول في دعوى الإمارة وأذعن للصديق بالخلافة، وكان ابن عمه بشير بن سعد الأنصاري أول من بايع الصديق -رضي الله عنه- في اجتماع السقيفة، ولم يثبت النقل الصحيح أية أزمات، لا بسيطة ولا خطيرة، ولم يثبت أي انقسام أو فرق لكل منها مرشح يطمع في الخلافة كما زعم بعض كتاب التاريخ، ولكن الأخوة الإسلامية ظلت كما هي، بل ازدادت توثقًا كما يثبت ذلك النقل الصحيح. ولم يثبت النقل الصحيح تآمرًا حدث بين أبي بكر وعمر وأبي عبيدة لاحتكار الحكم بعد وفاة رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فهم كانوا أخشى لله وأتقى من أن يفعلوا ذلك.
وقد حاول بعض الكتاب من المؤرخين أصحاب الأهواء أن يجعلوا من سعد بن عبادة -رضي الله عنه- منافسًا للمهاجرين يسعى للخلافة بشرِّه، ويدبر لها المؤامرات، ويستعمل في الوصول إليها كلَّ أساليب التفرقة بين المسلمين. هذا الرجل، إذا راجعنا تاريخه وتتبعنا مسلكه، وجدنا مواقفه مع الرسول -صلى الله عليه وسلم- تجعله من الصفوة الأخيار، الذين لم تكن الدنيا أكبر همهم ولا مبلغ علمهم؛ فهو النقيب في بيعة العقبة الثانية، حتى لجأت قريش إلى تعقبه قرب مكة وربطوا يديه إلى عنقه وأدخلوه مكة أسيرًا حتى أنقذه منهم جبير بن مطعم بن عدي، حيث كان يجيرهم في المدينة. وهو من الذين شهدوا بدرا وحظى بمقام أهل بدر ومنزلتهم عند الله، وكان من بيت جود وكرم وشهد له ذلك رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وكان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يعتمد عليه –بعد الله- وعلى سعد بن معاذ كما في غزوة الخندق، عندما استشارهم في إعطاء ثلث ثمار المدينة لعيينة بن حصن الفزاري، فكان رد السعدين يدل على عمق الإيمان وكمال التضحية.
فمواقف سعد مشهورة ومعلومة، فهذا الصحابي الجليل صاحب الماضي المجيد في خدمة الإسلام والصحبة الصادقة لرسول الله، لا يعقل ولم يثبت أنه كان يريد أن يُحيي العصبية الجاهلية في مؤتمر السقيفة لكي يحصل في غمارها هذه الفرقة على منصب الخلافة، كما أنه لم يثبت ولم يصح ما ورد في بعض المراجع من أنه –بعد بيعة أبي بكر- كان لا يصلي بصلاتهم ولا يفيض في الحج بإفاضتهم؛ كأنما انفصل سعد بن عبادة -رضي الله عنه- عن جماعة المسلمين ، فهذا باطل ومحض افتراء، فقد ثبت من خلال الروايات الصحيحة أن سعدًا بايع أبا بكر، فعندما تكلم أبو بكر يوم السقيفة، فذكر فضل الأنصار وقال: ولقد علمتم أن رسول الله قال: «لو سلك الناس واديًا، وسلكت الأنصار واديًا أو شعبًا لسلكت وادي الأنصار أو شعب الأنصار»، ثم ذكر سعد بن عبادة بقول فصل وحجة لا ترد، فقال: ولقد علمت يا سعد أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال وأنت قاعد: «قريش ولاة هذا الأمر، فبر الناس تبع لبرهم، وفاجرهم تبع لفاجرهم». قال سعد: صدقت، نحن الوزراء وأنتم الأمراء ، فتتابع القوم على البيعة وبايع سعد. وبهذا ثبت بيعة سعد بن عبادة، وبها يتحقق إجماع الأنصار على بيعة الخليفة أبي بكر، ولا يعود أي معنى للترويج لرواية باطلة، بل سيكون ذلك متناقضًا للواقع واتهامًا خطيرًا، أن ينسب لسيد الأنصار العمل على شق عصا المسلمين، والتنكر لكل ما قدمه من نصرة وجهاد وإيثار للمهاجرين، والطعن بإسلامه من خلال ما ينسب إليه من قول: لا أبايعكم حتى أرميكم بما في كنانتي، وأخضب سنان رمحي، وأضرب بسيفي، فكان لا يصلي بصلاتهم ولا يجمع بجامعتهم، ولا يقضي بقضائهم، ولا يفيض بإفاضتهم أي: في الحج.
إن هذه الرواية التي استغلت للطعن بوحدة المهاجرين والأنصار وصدق أخوتهم، ما هي إلا رواية باطلة للأسباب التالية:
أن الراوي صاحب هوى وهو «إخباري تالف لا يوثق به» , ولا سيما في المسائل الخلافية.
قال الذهبي عن هذه الرواية: وإسنادها كما ترى ؛ أي: في غاية الضعف أما متنها
فهو يناقض سيرة سعد بن عبادة، وما في عنقه من بيعة على السمع والطاعة، ولما روي عنه من فضائل .

4- ما يروى من خلاف بين عمر والحباب بن المنذر:

أما ما يروي عن تنازع في السقيفة بين عمر والحباب بن المنذر السلمي الأنصاري، فالراجح أنه غير صحيح، وأن عمر لم يُغضب الحباب بن المنذر منذ عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، فقد روى عن عمر قال: فلما كان الحباب بن المنذر هو الذي يجيبني لم يكن لي معه كلام؛ لأنه كان بيني وبينه منازعة في حياة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فنهاني عنه، فحلفت أن لا أكلمه كلمة تسوؤه أبدًا .
كما أن ما يروى عن الحباب في هذه المنازعة مخالف لما عُهد عنه من حكمة، ومن حسن تأنيه للأمور؛ إذ كان يلقب: «بذي الرأي» في عهد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؛ وذلك لقبول مشورته في بدر وخيبر. وأما قول الحباب بن المنذر: منا أمير ومنكم أمير، فقد سوغ ذلك وأوضح أنه لا يقصد بذلك الوصول إلى الإمارة، فقال: فإنا والله ما ننفس عليكم هذا الأمر، ولكنا نخاف أن يليه أقوام قتلنا آباءهم وإخوانهم ، فقبل المهاجرون قوله وأقروا عذره ولا سيما أنهم شركاء في دماء من قتل من المشركين .

5- حديث الأئمة من قريش وموقف الأنصار منه:
ورد حديث «الأئمة من قريش» في الصحيحين وكتب الحديث الأخرى بألفاظ متعددة؛ ففي صحيح البخاري عن معاوية قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا أكبه الله في النار على وجهه ما أقاموا الدين». وفي صحيح مسلم: «لا يزال الإسلام عزيزًا بخلفاء كلهم من قريش». وعن عبد الله بن عمر قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي منهم اثنان». وقال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «الناس تبع لقريش في هذا الشأن، مسلمهم لمسلهم وكافرهم لكافرهم». وعن بكير بن وهب الجزري قال: قال لي أنس بن مالك الأنصاري: أحدثك حديثًا ما أحدثه كل أحد، كنا في بيت من الأنصار فجاء النبي -صلى الله عليه وسلم- حتى وقف فأخذ بعضادتي الباب ، فقال: «الأئمة من قريش، إن لهم عليكم حقًا، ولكم عليهم حقًا مثل ذلك، ما إن استرحموا فرحموا، وإن عاهدوا أوفوا، وإن حكموا عدلوا». وفي «فتح الباري» أورد ابن حجر أحاديث كثيرة تحت باب: الأمراء من قريش، أسندها إلى كتب السنن والمسانيد والمصنفات. فالأحاديث في هذا الباب كثيرة لا يكاد يخلو منها كتاب من كتب الحديث، وقد رويت بألفاظ متعددة إلا أنها متقاربة، تؤكد جميعها أن الإمرة المشروعة في قريش، ويقصد بالإمرة الخلافة فقط، أما ما سوى ذلك فتساوى فيه جميع المسلمين.
وبمثل ما أوضحت الأحاديث النبوية الشريفة أن أمر الخلافة في قريش، فإنها حذرت من الانقياد الأعمى لهم، وأن هذا الأمر فيهم ما أقاموا الدين كما سلف في حديث معاوية، وكما جاء في حديث أنس: إن استرحموا فرحموا، وإن عاهدوا أوفوا، وإن حكموا عدلوا، فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين. ، وبهذا حذرت الأحاديث من اتباع قريش إن زاغوا عن الحكم بما أنزل الله، فإن لم يمتثلوا ويطبقوا مثل هذه الشروط، فإنهم سيصبحون خطرًا على الأمة، وحذرت الأحاديث الشريفة من اتباعهم على غير ما أنزل الله، ودعت إلى اجتنابهم والبعد عنهم واعتزالهم؛ لما سيترتب على مؤازرتهم آنذاك من مخاطر على مصير الأمة، قال -صلى الله عليه وسلم-:«إن هلاك أمتي أو فساد أمتي رؤوس أغيلمة سفهاء من قريش»، وعندما سئل -صلى الله عليه وسلم-: فما تأمرنا؟ قال -صلى الله عليه وسلم-:«لو أن الناس اعتزلوهم» .
ومن هذه النصوص تتضح الصورة لمسألة الأئمة من قريش، وأن الأنصار انقادوا لقريش ضمن هذه الضوابط وعلى هذه الأسس، وهذا ما أكدوه في بيعاتهم لرسول الله: «على السمع والطاعة، والصبر على الأثرة، وأن لا ينازعوا الأمر أهله، إلا أن يروا كفرا بواحًا عندهم من الله فيه برهان». فقد كان للأنصار تصور تام عن مسألة الخلافة، وأنها لم تكن مجهولة عندهم، وأن حديث «الأئمة من قريش» كان يرويه كثير منهم، وأن الذين لا يعلمونه سكتوا عندما رواه لهم أبو بكر الصديق، ولهذا لم يراجعه أحد من الأنصار عندما استشهد به، فأمر الخلافة تم بالتشاور والاحتكام إلى النصوص الشرعية والعقلية التي أثبتت أحقية قريش بها، ولم يسمع عن أحد من الأنصار بعد بيعة السقيفة أنه دعا لنفسه بالخلافة، مما يؤكد اقتناع الأنصار وتصديقهم لما تم التوصل إليه من نتائج.
وبهذا يتهافت ويسقط قول من قال: إن حديث الأئمة من قريش شعار رفعته قريش لاستلاب الخلافة من الأنصار، أو أنه رأي لأبي بكر وليس حديثًا رواه عن الرسول، وإنما كان فكرًا سياسيًا قرشيًا، كان شائعا في ذلك العصر، يعكس ثقل قريش في المجتمع العربي في ذلك الحين. وعلى هذا فإن نسبة هذه الأحاديث إلى أبي بكر وأنها شعار لقريش، ما هي إلا صورة من صور التشويه التي يتعرض لها تاريخ العصر الراشدي وصدر الإسلام، الذي قام أساسًا على جهود المهاجرين والأنصار ومن تبعهم بإحسان، وعلى روابط الأخوة المتينة بين المهاجرين والأنصار، حتى قال فيهم أبو بكر: نحن والأنصار كما قال القائل:

أبَوْا أن يملونا ولو أن أمنا
تلاقي الذين يلقون منا لملت

6- الأحاديث التي أشارة إلى خلافة أبي بكر -رضي الله عنه-:

الأحاديث النبوية التي جاء التنبيه فيها على خلافة أبي بكر -رضي الله عنه- كثيرة شهيرة متواترة ظاهرة الدلالة، إما على وجه التصريح أو الإشارة، ولاشتهارها وتواترها صارت معلومة من الدين بالضرورة بحيث لا يسع أهل البدع إنكارها.

ومن تلك الأحاديث:

أ- عن جبير بن مطعم قال: أتت امرأة النبيَّ -صلى الله عليه وسلم- فأمرها أن ترجع إليه، قالت: أرأيت إن جئت ولم أجدك –كأنها تقول الموت- قال -صلى الله عليه وسلم-: «إن لم تجديني فأتى أبا بكر» .
قال ابن حجر: وفي الحديث أن مواعيد النبي -صلى الله عليه وسلم- كانت على من يتولى الخلافة بعده تنجيزها، وفيه رد على الشيعة في زعمهم أنه نص على استخلاف علي والعباس .

ب- عن حذيفة قال: كنا عند النبي -صلى الله عليه وسلم- جلوسًا فقال: «إني لا أدري ما قدر بقائي فيكم، فاقتدوا بالذين من بعدي (وأشار إلى أبي بكر وعمر)، وتمسكوا بعهد عمار، وما حدثكم ابن مسعود فصدقوه» .
فقوله -صلى الله عليه وسلم-: «اقتدوا بالذين من بعدي» أي: بالخليفتين الذين يقومان من بعدي وهما أبو بكر وعمر. وحث على الاقتداء بهما لحسن سيرتهما وصدق سريرتهما، وفي الحديث إشارة لأمر الخلافة .

ج- عن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «بينما أنا نائم أريت أني أنزع على حوضي أسقي الناس، فجاءني أبو بكر فأخذ الدلو من يدي ليروحني فنزع الدلوين وفي نزعه ضعف والله يغفر له، فجاء ابن الخطاب فأخذ منه فلم أر نزع رجل قط أقوى منه حتى تولى الناس والحوض ملآن يتفجر» .
قال الشافعي -رحمه الله-: رؤيا الأنبياء وحي، وقوله: (وفي نزعة ضعف) قصر مدته وعجلة موته وشغله بالحرب لأهل الردة عن الافتتاح والتزيد الذي بلغه عمر في طول مدته.

د- قالت عائشة: قال لي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مرضه: «ادعي لي أبا بكر, وأخاك حتى أكتب كتابًا،فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» .
دل هذا الحديث دلالة واضحة على فضل الصديق -رضي الله عنه-، حيث أخبر النبي -صلى الله عليه وسلم- بما سيقع في المستقبل بعد التحاقه بالرفيق الأعلى، وأن المسلمين يأبون عقد الخلافة لغيره -رضي الله عنه-، وفي الحديث إشارة أنه سيحصل نزاع، ووقع كل ذلك كما أخبر عليه الصلاة والسلام، ثم اجتمعوا على أبي بكر -رضي الله عنه-.

هـ- عن عبيد الله بن عبد الله قال: دخلت على عائشة فقلت لها: ألا تحدثيني عن مرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم-؟ قالت: بلى، ثقُل النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: «أصلى الناس؟» قلنا: لا وهم ينتظرونك يا رسول الله. قال: «ضعوا لي ماء في المخضب»، ففعلنا فاغتسل ثم ذهب لينوء فأغمى عليه، ثم أفاق فقال: «أصلى الناس؟». قلنا: لا وهم ينتظرونك يا رسول الله. فقال: «ضعوا لي ماء في المخضب»، ففعلنا فاغتسل، ثم ذهب لينوء فأغمى عليه ثم أفاق فقال: «أصلى الناس؟»، قلنا: لا وهم ينتظرونك يا رسول الله! قالت: والناس عكوف في المسجد ينتظرون رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لصلاة العشاء الآخرة، قالت: فأرسل رسول الله -صلى الله عليه وسلم- إلى أبي بكر أن يصلي بالناس، فأتاه الرسول فقال: إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- يأمرك أن تصلي بالناس، فقال أبو بكر وكان رجلاً رقيقًا: يا عمر صل بالناس. قال: فقال عمر: أنت أحق بذلك، قالت: فصلى بهم أبو بكر تلك الأيام، ثم إن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وجد من نفسه خفة فخرج بين رجلين أحدهما العباس لصلاة الظهر وأبو بكر يصلي بالناس، فلما رآه أبو بكر ذهب ليتأخر فأومأ إليه النبي -صلى الله عليه وسلم- أن لا يتأخر، وقال لهما: «أجلساني إلى جنبه» فأجلساه إلى جنب أبي بكر وكان أبو بكر يصلي وهو قائم بصلاة النبي -صلى الله عليه وسلم- والناس يصلون بصلاة أبي بكر والنبي -صلى الله عليه وسلم- قاعد. قال عبيد الله: فدخلت على عبد الله بن عباس فقلت له: ألا أعرض عليك ما حدثتني عائشة عن مرض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- فقال: هات، فعرضت حديثها عليه فما أنكر منه شيئًا، غير أنه قال: أسَمَّت لك الرجل الذي كان مع العباس؟ قلت: لا. قال، هو علي .
هذا الحديث اشتمل على فوائد عظيمة، منها: فضيلة أبي بكر الصديق -رضي الله عنه- وترجيحه على جميع الصحابة-رضوان الله عليهم أجمعين- وتفضيله، وتنبيه على أنه أحق بخلافة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من غيره، ومنها أن الإمام إذا عرض له عذر عن حضور الجماعة استخلف من يصلي بهم، وأنه لا يستخلف إلا أفضلهم، ومنها فضيلة عمر بعد أبي بكر -رضي الله عنه-؛ لأن أبا بكر -رضي الله عنه- لم يعدل إلى غيره .
و- قال عبد الله بن مسعود -رضي الله عنه-: لما قبض رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، قال: فأتاهم عمر -رضي الله عنه- فقال: يا معشر الأنصار، ألستم تعلمون أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد أمر أبا بكر أن يؤم الناس؟ فأيكم تطيب نفسه أن يتقدم أبا بكر -رضي الله عنه-؟ فقالت الأنصار: نعوذ بالله أن نتقدم أبا بكر .

ز- روى ابن سعد بإسناده إلى الحسن قال: قال علي: لما قبض النبي -صلى الله عليه وسلم- نظرنا في أمرنا فوجدنا النبي -صلى الله عليه وسلم- قد قدم أبا بكر في الصلاة فرضينا لدنيانا من رضي رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لديننا، فقدمنا أبا بكر .
وقد علق أبو الحسن الأشعري على تقديم رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لأبي بكر في الصلاة فقال: وتقديمه له أمر معلوم بالضرورة في دين الإسلام. قال: وتقديمه له دليل على أنه أعلم الصحابة وأقرؤهم، لما ثبت في الخبر المتفق على صحته بين العلماء أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قال: «يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الهل، فإن كانوا في القراءة سواء فأعلمهم بالسنة، فإن كانوا في السنة سواء فأكبرهم سنًّا، فإن كانوا في السن سواء فأقدمهم إسلامًا». قال ابن كثير -وهذا من كلام الأشعري رحمه الله مما ينبغي أن يكتب بماء الذهب-: ثم قد اجتمعت هذه الصفات كلها في الصديق -رضي الله عنه وأرضاه- .
هذا ولأهل السنة قولان في إمامة أبي بكر -رضي الله عنه- من حيث الإشارة إليها بالنص الخفي أو الجلي، فمنهم من قال: إن إمامة أبي بكر -رضي الله عنه- ثابتة بالنص الخفي والإشارة، وهذا القول ينسب إلى الحسن البصري -رحمه الله تعالى- وجماعة من أهل الحديث ، وهو رواية عن الإمام أحمد بن حنبل رحمة الله عليه، واستدل أصحاب هذا القول بتقديم النبي -صلى الله عليه وسلم- له في الصلاة وبأمره -صلى الله عليه وسلم- بسد الأبواب إلا باب أبي بكر. ومنهم من قال: إن خلافة أبي بكر -رضي الله عنه- ثابتة بالنص الجلي وهذا قول طائفة من أهل الحديث ، وبه قال أبو محمد بن حزم الظاهري ، واستدل هذا الفريق بحديث المرأة التي قال لها: «إن لم تجديني فأتي أبا بكر» ، وبقوله لعائشة -رضي الله عنها-: «ادعي لي أبا بكر وأخاك حتى أكتب كتابًا، فإني أخاف أن يتمنى متمن ويقول قائل: أنا أولى، ويأبى الله والمؤمنون إلا أبا بكر» ، وحديث رؤياه -صلى الله عليه وسلم- أنه على حوض يسقي الناس فجاء أبو بكر فنزع الدلو من يده ليروحه .
والذي أميل إليه ويظهر لي من خلال البحث: أن المصطفى -صلى الله عليه وسلم- يأمر المسلمين بأن يكون الخليفة عليهم من بعده أبا بكر -رضي الله عنه-، وإنما دلهم عليه لإعلام الله -سبحانه وتعالى- له بأن المسلمين سيختارونه لما له من الفضائل العالية التي ورد بها القرآن والسنة وفاق بها غيره من جميع الأمة المحمدية -رضي الله عنه- وأرضاه .
قال ابن تيمية -رحمه الله-: والتحقيق أن النبي -صلى الله عليه وسلم- دل المسلمين على استخلاف أبي بكر وأرشدهم إليه بأمور متعددة من أقواله وأفعاله، وأخبر بخلافته إخبار رضى بذلك حامد له وعزم على أن يكتب بذلك عهدًا، ثم علم أن المسلمين يجتمعون عليه فترك الكتاب اكتفاء بذلك... فلو كان التعيين مما يشتبه على الأمة لبينه رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بيانًا قاطعًا للعذر، ولكن لما دلهم دلالات متعددة على أن أبا بكر هو المتعين وفهموا ذلك حصل المقصود، ولهذا قال عمر بن الخطاب في خطبته التي خطبها بمحضر من المهاجرين والأنصار: وليس فيكم من تقطع إليه الأعناق مثل أبي بكر... إلى أن قال: فخلافة أبي بكر الصديق دلت النصوص الصحيحة على صحتها وثبوتها ورضا الله ورسوله -صلى الله عليه وسلم- له بها، وانعقدت بمبايعة المسلمين له واختيارهم إياه اختيارًا استندوا فيه إلى ما علموه من تفضيل الله ورسوله، فصارت ثابتة بالنص والإجماع جميعًا، لكن النص دل على رضا الله ورسوله بها وأنها حق وأن الله أمر بها وقدرها، وأم المؤمنين يختارونها وكان هذا أبلغ من مجرد العهد بها؛ لأنه حينئذ كان يكون طريق ثبوتها مجرد العهد، وأما إذا كان المسلمين قد اختاروه من غير عهد ودلت النصوص على صوابهم فيما فعلوه ورضي الله ورسوله بذلك، كان دليلاً على أن الصديق كان فيه من الفضائل التي بان بها عن غيره ما علم المسلمين به أنه أحقهم بالخلافة، فإن ذلك لا يحتاج فيه إلى عهد خاص .

7- انعقاد الإجماع على خلافة الصديق -رضي الله عنه-:
أجمع أهل السنة والجماعة سلفًا وخلفًا على أن أحق الناس بالخلافة بعد النبي -صلى الله عليه وسلم- أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-، لفضله وسابقته، ولتقديم النبي -صلى الله عليه وسلم- إياه في الصلوات على جميع الصحابة. وقد فهم أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- مراد المصطفى -عليه الصلاة والسلام- من تقديمه في الصلاة، فأجمعوا على تقديمه في الخلافة ومتابعته ولم يتخلف منهم أحد، ولم يكن الرب -جل وعلا- ليجمعهم على ضلالة، فبايعوه طائعين وكانوا لأوامره ممتثلين ولم يعارض أحد في تقديمه. فعندما سئل سعيد بن زيد: متى بويع أبو بكر؟ قال: يوم مات رسول الله -صلى الله عليه وسلم- كرهوا أن يبقوا بعض يوم وليسوا في جماعة ، وقد نقل جماعة من أهل العلم المعتبرين إجماع الصحابة ومن جاء بعدهم من أهل السنة والجماعة على أن أبا بكر -رضي الله عنه- أولى بالخلافة من كل أحد ، وهذه بعض أقوال أهل العلم:

أ- قال الخطيب البغدادي -رحمه الله-: أجمع المهاجرون والأنصار على خلافة أبي بكر، قالوا له: يا خليفة رسول الله ولم يسم أحد بعده خليفة. وقيل: إنه قبض النبي -صلى الله عليه وسلم- عن ثلاثين ألف مسلم كلٌّ قال لأبي بكر: يا خليفة رسول الله، ورضوا به من بعده رضي الله عنهم .

ب- وقال أبو الحسن الأشعري: أثنى الله -عز وجل- على المهاجرين والأنصار والسابقين إلى الإسلام، ونطق القرآن بمدح المهاجرين والأنصار في مواضع كثيرة وأثنى على أهل بيعة الرضوان، فقال عز وجل: +لَقَدْ رَضِيَ اللهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ" [الفتح: 18] قد أجمع هؤلاء الذين أثنى عليهم ومدحهم على إمامة أبي بكر الصديق -رضي الله عنه-، وسموه خليفة رسول الله وبايعوه وانقادوا له وأقروا له بالفضل، وكان أفضل الجماعة
في جميع الخصال التي يستحق بها الإمامة في العلم والزهد، وقوة الرأي وسياسة الأمة، وغير ذلك.

ج- وقال عبد الملك الجويني: أما إمامة أبي بكر -رضي الله عنه- فقد ثبتت بإجماع الصحابة، فإنهم أطبقوا على بذل الطاعة والانقياد لحكمه. وما تخرص به الروافض من إبداء عليٍّ شراسًا، وشماسًا في عقد البيعة له كذب صريح، نعم لم يكن -رضي الله عنه- في السقيفة، وكان مستخليًا بنفسه قد استفزه الحزن على رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ثم دخل فيما دخل الناس فيه وبايع أبا بكر على ملأ من الأشهاد.

د- وقال أبو بكر الباقلاني في معرض ذكره للإجماع على خلافة الصديق -رضي الله عنه-: وكان -رضي الله عنه- مفروض الطاعة لإجماع المسلمين على طاعته وإمامته وانقيادهم له، حتى قال أمير المؤمنين علي -رضي الله عنه- مجيبًا لقوله -رضي الله عنه- لما قال: أقيلوني فلست بخيركم، فقال: لا نقيلك ولا نستقيلك، قدمك رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لديننا ألا نرضاك لدنيانا، يعني بذلك حين قدمه للإمامة في الصلاة مع حضوره واستنابته في إمارة الحج، فأمرك علينا. وكان -رضي الله عنه- أفضل الأمة وأرجحهم إيمانًا وأكملهم فهمًا وأوفرهم علمًا .

8- منصب الخلافة والخليفة:
الخلافة الإسلامية هي المنهج الذي اختارته الأمة الإسلامية وأجمعت عليه طريقة وأسلوبًا للحكم تنظم من خلاله أمورها وترعى مصالحها، وقد ارتبطت نشأة الخلافة بحاجة الأمة لها واقتناعها بها، ومن ثم كان إسراع المسلمين في اختيار خليفة لرسول الله -صلى الله عليه وسلم-.
يقول الإمام أبو الحسن الماوردي: إن الله جلت قدرته ندب للأمة زعيمًا خلف به النبوة وحاط به الملة، وفوض إليه السياسة ليصدر التدبير عن دين مشروع، وتجتمع الكلمة على رأي متبوع، فكانت الإمامة أصلاً عليه استقرت قواعد الملة، وانتظمت به مصالح العامة حتى استثبتت به الأمور العامة، وصدرت عنه الولايات الخاصة .
لقد كان على الأمة الإسلامية أن تواجه الموقف الصعب الذي نشأ عن انتقال الرسول -صلى الله عليه وسلم- إلى الرفيق الأعلى، وأن تحسم أمورها بسرعة وحكمة وألا تدع مجالاً لانقسام قد يتسرب منه الشك إلى نفوس أفرادها، أو للضعف أن يتسلل إلى أركان البناء الذي شيده رسول الله -صلى الله عليه وسلم- .
ولما كانت الخلافة هي نظام حكم المسلمين، فقد استمدت أصولها من دستور المسلمين؛ من القرآن الكريم ومن سنة النبي -صلى الله عليه وسلم-. وقد تحدث الفقهاء عن أسس الخلافة الإسلامية فقالوا بالشورى والبيعة وهما –أصلاً- قد أشير إليهما في القرآن الكريم ، ومنصب الخلافة أحيانًا يطلق عليه لفظ الإمامة أو الإمارة. وقد أجمع المسلمون على وجوب الخلافة، وأن تعيين الخليفة فرض على المسلمين يرعى شئون الأمة ويقيم الحدود ويعمل على نشر الدعوة الإسلامية وعلى حماية الدين والأمة بالجهاد، وعلى تطبيق الشريعة وحماية حقوق الناس ورفع المظالم وتوفير الحاجات الضرورية لكل فرد، وهذا ثابت بالقرآن والسنة والإجماع .
وقد قال تعالى: +يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأمْرِ مِنْكُمْ"
[النساء: 59].
وقال تعالى: +يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدُ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ"
[ص: 26].
وقال -صلى الله عليه وسلم-: «من خلع يدًا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له ، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية».
وأما الإجماع فالصحابة -رضوان الله عليهم- لم ينتظروا حتى يتم دفن الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وتوافدوا للاتفاق على إمام أو خليفة، وعلل أبو بكر قبول هذه الأمانة وهو خوفه أن تكون فتنة (أي من عدم تعيين خليفة للمسلمين). قال الشهرستاني في ذلك: ما دار في قلبه ولا في قلب أحد أنه يجوز خلو الأرض من إمام، فدل ذلك كله على أن الصحابة وهم الصدر الأول كانوا عن بكرة أبيهم متفقين على أنه لا بد من إمام، فذلك الإجماع على هذا الوجه دليل قاطع على وجوب الإمام .
هذا وليس صحيحًا ما يروجه الحاقدون أن الطمع في الرياسة سبب الانشغال بالخلافة عن دفن النبي -صلى الله عليه وسلم- .
هذا وقد عرف ابن خلدون الخلافة: هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها؛ إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارهم بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة هذا الدين وسياسة الدنيا به .
وقد تحدث العلامة أبو الحسن الندوي عن شروط خلافة النبي -صلى الله عليه وسلم- ومتطلباتها، وقد أثبت بالأدلة والحجج من خلال سيرة الصديق بأن أبا بكر كانت شروط خلافة النبي -صلى الله عليه وسلم- متحققة فيه، ونذكر هذه الشروط بإيجاز وبدون ذكر الشواهد التي ذكرها الندوي وقد بينتها في هذا الكتاب متناثرة، فأهم هذه الشروط:

أ- يمتاز بأنه ظل طوال حياته بعد الإسلام متمتعا بثقة رسول الله -صلى الله عليه وسلم- به وشهادته له، واستخلافه إياه في القيام ببعض أركان الدين الأساسية، وفي مهمات الأمور، والصحبة في مناسبات خطرة دقيقة لا يستصحب فيها الإنسان إلا من يثق به كل الثقة، ويعتمد عليه كل الاعتماد.

ب- يمتاز هذا الفرد بالتماسك والصمود في وجه الأعاصير والعواصف التي تكاد تعصف بجوهر الدين ولبه، وتحبط مساعي صاحب رسالته، وتنخلع لها قلوب كثير ممن قوي إيمانهم وطالت صحبتهم، ولكن يثبت هذا الفرد في وجهها ثبوت الجبال الراسيات، ويمثل دور خلفاء الأنبياء الصادقين الراسخين، ويكشف الغطاء عن العيون، وينفض الغبار عن جوهر الدين وعقيدته الصحيحة.

ج- يمتاز هذا الفرد في فهمه الدقيق للإسلام، ومعايشته له في حياة النبي -صلى الله عليه وسلم- على اختلاف أطواره وألوانه من سلم وحرب، وخوف وأمن، ووحدة واجتماع، وشدة ورخاء.

د- يمتاز بشدة غيرته على أصالة هذا الدين وبقائه على ما كان عليه في عهد نبيه، غيرة أشد من غيرة الرجال على الأعراض والكرامات، والأزواج والأمهات، والبنين والبنات، لا يحوله عن ذلك خوف أو طمع أو تأويل أو عدم موافقة من أقرب الناس وأحبهم إليه.

هـ- يكون دقيقًا كل الدقة وحريصًا أشد الحرص على تنفيذ رغبات الرسول الذي يخلفه في أمته بعد وفاته، لا يحيد عن ذلك قيد شعرة، ولا يساوم فيه أحدًا، ولا يخاف لومة لائم.

و- يمتاز بالزهد فمتاع الدنيا والتمتع به، زهدًا لا يتصور فوقه إلا عند إمامه وهاديه سيد الأنبياء عليه الصلاة والسلام، وأن لا يخطر بباله تأسيس الملك والدولة وتوسيعهما لصالح عشيرته وورثته، كما اعتادت ذلك الأسر الملوكية الحاكمة في أقرب الدول والحكومات من جزيرة العرب؛ كالروم والفرس .

وقد اجتمعت هذه الصفات والشروط كلها في سيدنا أبي بكر -رضي الله عنه-، كما تمثلت في حياته وسيرته في حياة الرسول -صلى الله عليه وسلم- قبل الخلافة وبعد الخلافة إلى أن توفاه الله تعالى، بحيث لا يسع منكرا أن ينكره أو مشككا يشكك في صحته، فقد تحقق بطريق البداهة والتواتر.
هذا وقد قام أهل الحل والعقد في سقيفة بني ساعدة ببيعة الصديق بيعة خاصة ثم رشحوه للناس في اليوم الثاني، وبايعته الأمة في المسجد البيعة العامة.
وقد أفرز ما دار في سقيفة بني ساعدة مجموعة من المبادئ، منها: أن قيادة الأمة لا تقام إلا بالاختيار، وأن البيعة هي أصل من أصول الاختيار وشرعية القيادة، وأن الخلافة لا يتولاها إلا الأصلب دينا والأكفأ إدارة، فاختيار الخليفة يكون وفق مقومات إسلامية وشخصية وأخلاقية، وأن الخلافة لا تدخل ضمن مبدأ الوراثة النَّسَبية أو القبلية، وإن إثارة «قريش» في سقيفة بني ساعدة باعتباره واقعًا يجب أخذه في الحسبان، ويجب اعتبار أي شيء مشابه ما لم يكن متعارضًا مع أصول الإسلام، وأن الحوار الذي دار في سقيفة بني ساعدة قام على قاعدة الأمن النفسي السائد بين المسلمين؛ حيث لا هرج ولا مرج، ولا تكذيب ولا مؤامرات ولا نقض للاتفاق، ولكن تسليم للنصوص التي تحكمهم حيث المرجعية في الحوار إلى النصوص الشرعية .
وقد استدل الدكتور توفيق الشاوي على بعض الأمثلة التي صدرت بالشورى الجماعية في عهد الراشدين من حادثة السقيفة، حيث قال:

* أول ما قرره اجتماع يوم السقيفة هو أن «نظام الحكم ودستور الدولة» يقرر بالشورى الحرة، تطبيقًا لمبدأ الشورى الذي نص عليه القرآن، ولذلك كان هذا المبدأ محل إجماع، وسند هذا الإجماع النصوص القرآنية التي فرضت الشورى؛ أي أن هذا الإجماع كشف وأكد أول أصل شرعي لنظام الحكم في الإسلام وهو الشورى الملزمة، وهذا أول مبدأ دستوري تقرر بالإجماع بعد وفاة رسولنا -صلى الله عليه وسلم-، ثم إن هذا الإجماع لم يكن إلا تأييدًا وتطبيقًا لنصوص الكتاب والسنة التي أوجبت الشورى.

* تقرر يوم السقيفة أيضا أن اختيار رئيس الدولة أو الحكومة الإسلامية وتحديد سلطاته يجب أن يتم بالشورى؛ أي: بالبيعة الحرة التي تمنحه تفويضًا ليتولى الولاية بالشروط والقيود التي يتضمنها عقد البيعة الاختيارية الحرة –الدستور في النظم المعاصرة- وكان هذا ثاني المبادئ الدستورية التي أقرها الإجماع، وكان قرارًا إجماعيًا كالقرار السابق.
* تطبيقا للمبدأين السابقين، قرر اجتماع السقيفة اختيار أبي بكر ليكون الخليفة الأول للدولة الإسلامية .
ثم إن هذا الترشيح لم يصبح نهائيًا إلا بعد أن تمت له البيعة العامة، أي: موافقة جمهور المسلمين في اليوم التالي بمسجد الرسول -صلى الله عليه وسلم-، ثم قبوله لها بالشروط التي ذكرها في خطابه الذي ألقاه ، وسنأتي على ذلك بالتفصيل بإذن الله تعالى.

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
http://dynastywarriors.yoo7.com/profile.forum
Gazi Faisal Pasha
Lieutenant
Lieutenant


ذكر عدد الرسائل : 458
العمر : 24
أفضل مملكة : Shu
تاريخ التسجيل : 25/06/2012

مُساهمةموضوع: رد: سيرة أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-   الجمعة 01 فبراير 2013, 7:10 pm

على رغم من قصر فترة حكمه وخلافته الا انه مكن للدوله لاسلاميه الوليده في الجزيره العربيه ونظم الجيوش و أخضع كافة القبائل وقضى على الرده الجماعية التي وقعت بعد توليه الخلافه مباشرة وسير الحملات الى الامبرطوريه الفارسيه في العراق والى الرومان في بلاد الشام ,هذه اعماله العسكريه فقط فضلاً عما سواها...تخيلوا كل هذا في سنتين بس !!!

وعلى فكره شكله كان نحيف طويل سمح الوجه له جديلتان كثير السكوت والاستكنان لذلك الصحابه اشتغربوا وتعجبوا من شدته وثباته لان شكله رضي الله عنه لايوحي بتلك القوه والثبات في ذلك الوقت العصيب والكرب الشديد اللذي هز الامه الاسلاميه "رضي الله عنه وارضاه"

الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
محمد الفاتح
Soldier
Soldier


عدد الرسائل : 26
العمر : 23
تاريخ التسجيل : 31/01/2013

مُساهمةموضوع: رد: سيرة أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-   السبت 02 فبراير 2013, 2:25 am

رضي الله عن أبي بكر وجمعنا وإياه بالفردوس الأعلى مع الأنبياء والصالحين
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
 
سيرة أبو بكر الصديق -رضي الله عنه-
استعرض الموضوع السابق استعرض الموضوع التالي الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
أسرار الممالك الثلاث :: الاقسام النقاشية :: التاريخ الإسلامي-
انتقل الى: